وقد ذكر ابن سعد١ أن الهزيمة كانت على المسلمين، والذي في «صحيح البخاري»٢ أن الهزيمة كانت على الروم. والصحيح ما ذكره ابن إسحاق٣ أن كل فئة انحازت عن الأخرى.
وأطلع اللهُ سبحانه على ذلك رسولَه من يومهم ذلك، فأخبر به أصحابه وقال: «لقد رُفعوا إليَّ في الجنة فيما يرى النائم على سُرُر مِن ذهب، فرأيت في سرير عبد الله ازوِرارًا عن سريرِ٤ صاحبَيه، فقلت: عمَّ هذا؟ فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى»٥.
(١) في «الطبقات» (٢/ ١٢٠) من حديث أبي عامر الأشعري ﵁، وفي إسناده لين. وكذا ذكره الواقدي في «مغازيه» (٢/ ٧٦٣، ٧٦٤، ٧٦٩) من غير وجه. والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٥٥) في هذه الفقرة وما بعدها.
(٢) ص، د: «والذي صحح البخاري». والحديث عند البخاري (١٢٤٦، ٢٧٩٨، ٣٠٦٣، ٣٧٥٧، ٤٢٦٢) عن أنس مرفوعًا.
(٣) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٨١).
(٤) كذا في الأصول، وفي عامّة المصادر: «سريرَي». والازوِرار: العدول عن الشيء والانحراف عنه.
(٥) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٤/ ٣٨٣ - ٣٨٦) ضمن حديث طويل في خبر الغزوة من طريق ابن إسحاق قال: حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: حدثني أبي الذي أرضعني وكان في تلك الغزاة. قال الهيثمي (٦/ ١٦٣): «رجاله ثقات». قلتُ: هو كذلك إلا أن هذا الحديث مدرج في ذاك الخبر الموصول، فإن ابن هشام (٢/ ٣٧٨ - ٣٨٠) أخرج الخبر الموصول من طريق ابن إسحاق ثم قال: «قال ابن إسحاق: ولمّا أصيب القوم قال رسول الله ﷺ فيما بلغني ...» فذكره، فدل على أن هذا الحديث ليس موصولًا عند ابن إسحاق بل بلاغًا. وكذا أخرجه عنه بلاغًا البيهقيُّ في «الدلائل» (٤/ ٣٦٨)، وعليه فالحديث ضعيف لإعضاله.
وذكر عبد الرزاق١ عن ابن عيينة عن ابن جُدعان عن ابن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ: «مُثِّل لي جعفرٌ وزيد وابن رواحة في خيمةٍ من دُرٍّ، كل واحد منهم على سرير، فرأيت زيدًا وابنَ رواحة في أعناقهما صدودًا٢، ورأيت جعفرًا مستقيمًا ليس فيه صدود»، قال: «فسألت أو قيل لي: إنهما حين غشيهما الموتُ أعرضا ــ أو: كأنهما صدَّا بوجوههما٣ ــ، وأما جعفر فإنه لم يفعل».
وقال رسول الله ﷺ في جعفر: «إن الله أبدله بيدَيه جناحَين يطير بهما في الجنةِ حيث شاء»٤.
(١) برقم (٩٥٦٢)، ومن طريقه الطبراني في «الكبير» (١٤/ ٣٨٧). وإسناده ضعيف لإرساله ولضعف ابن جُدعان هذا، وقد أخرج ابن خزيمة (١٩٨٦) والحاكم (٢/ ٢١٠) بإسناد صحيح عن أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه رأى هؤلاء الثلاثة في المنام على شرفٍ (في الجنة) يشربون من خمرٍ لهم.
(٢) كذا في الأصول بالنصب.
(٣) ص، د: «بوجههما».
(٤) ذكره ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٢/ ١٥٥) والمؤلف صادر عنه، ولم أجده بهذا اللفظ في كتب السنة. وفي معناه حديث أبي هريرة: «رأيت جعفر بن أبي طالب ملَكًا يطير مع الملائكة بجناحين في الجنة». أخرجه الترمذي (٣٧٦٣) وأبو يعلى (٦٤٦٤) ــ واللفظ له ــ وابن حبان (٧٠٤٧) والحاكم (٣/ ٢٠٩)، وإسناده ضعيف كما ذكره الترمذي عقب الحديث والذهبيُّ في «تلخيص المستدرك». وفي الباب عن ابن عباس والبراء وعلي، ولكن أسانيدها واهية أو معلولة. ولكن له أصل، فقد أخرج البخاري (٣٧٠٩) وغيره عن ابن عمر أنه كان إذا سلَّم على ابن جعفر قال: «السلام عليك يا ابنَ ذي الجناحين»، فضلًا عن استفاضته عند أصحاب المغازي والسير. انظر: «الصحيحة» للألباني (١٢٢٦) و«أنيس الساري» لنبيل البصارة (٥/ ٣١٦٤) و«سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٧٨) و«مغازي الواقدي» (٢/ ٧٦٢، ٧٦٧) و«طبقات ابن سعد» (٤/ ٣٤ - ٣٦).