زاد المعاد

وأيضًا: فلو لم تكن هذه النصوص مع المبيحين لكان القياس الصحيح معهم، فإن الميتة إنما حرمت لاحتقان الرطوبات والفضلات والدم الخبيث فيها، والذكاة لما كانت تزيل ذلك الدم والفضلات كانت سببَ الحِلِّ، وإلا فالموت لا يقتضي التحريم فإنه حاصل بالذكاة كما يحصل بغيرها، فإذا لم يكن في الحيوان دم وفضلات تزيلها الذكاةُ لم يَحْرُم بالموت ولم يشترط لحلِّه ذكاة كالجراد، ولهذا لا يَنجسُ بالموت ما لا نفس له سائلة كالذباب والنحلة ونحوهما، والسمكُ من هذا الضرب، فإنه لو كان له دم وفضلات تحتقن بموته لم يحل بموته بغير ذكاة، ولم يكن فرق بين موته في الماء وموته خارجَه، إذ من المعلوم أن موته في البر لا يُذهب تلك الفضلات التي تحرِّمه عند المحرِّمين إذا مات في البحر. ولو لم يكن في المسألة نصوص لكان هذا القياس كافيًا. والله أعلم.

فصل

وفيها دليل على جواز الاجتهاد في الوقائع في حياة النبي ﷺ وإقراره على ذلك، لكن هذا كان في حال الحاجة إلى الاجتهاد وعدمِ تمكُّنهم من مراجعة النص. وقد اجتهد أبو بكر وعمر بين يدي رسول الله ﷺ في عدة من الوقائع وأقرَّهما على ذلك، لكن في قضايا جُزْوِيَّة١ مُعيَّنة لا في أحكام عامة وشرائعَ كليَّةٍ، فإن هذا لم يقع من أحد من الصحابة في حضوره ﷺ البتة.

  1. (١) س، ن، المطبوع: «جزئية»، لغتان. والمثبت هي لغة المؤلف، وانظرها في «تهذيب السنن» (٢/ ٤٤٩).
477

فصل

في الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحَرَمه الأمين

واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدًى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين

وهو الفتح الذي استبشر به أهلُ السماء، وضربت أطنابُ عزِّه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، وأشرق به١ وجه الدهر ضياءً وابتهاجًا.

خرج له رسول الله ﷺ بكتائب الإسلام وجنود الرحمن سنة ثمانٍ لعشرٍ مضَين من رمضان، واستعمل على المدينة أبا رُهْم كُلثوم بن الحُصَين الغفاري٢. وقال ابن سعد٣: بل استعمل عبد الله بن أم مكتوم.

وكان السبب الذي جرَّ إليه٤ وحدا عليه فيما ذكر إمام المغازي والسير والأخبار محمد بن إسحاق بن يسار٥: أن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خُزاعة وهم على ماءٍ لهم يقال له: الوتير٦، فبيَّتوهم وقتلُوا منهم، وكان الذي هاج ذلك أن رجلًا من بني الحضرمي يقال له مالك بن عباد

  1. (١) «به» ساقطة من ص، ز، د.
  2. (٢) أخرجه ابن إسحاق ــ ومن طريقه ابن هشام (٢/ ٣٩٩) وأحمد (٢٣٩٢) ــ قال: حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس. وإسناده جيد.
  3. (٣) في «الطبقات» (٢/ ١٢٥)، وهو قول شيخه الواقدي (١/ ٨). والأول أسند وأصح.
  4. (٤) ص، د: «جُري له». وكذا كان في ز ثم أصلح إلى المثبت.
  5. (٥) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٨٩) باختصار وتصرف يسير. ولعل المؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٦٣).
  6. (٦) جنوب غربيّ مكة على حدود الحرم جهة العُكيشية. انظر: «معجم المعالم في السيرة» (ص ٣٣١) و«معجم معالم الحجاز» (ص ١٧٩١).
478

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي