زاد المعاد

يظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره، بخلاف ليلة القدر فإنه قد ثبت في «الصحيحين»١ عن النبي ﷺ أنه قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». وفي «الصحيحين»٢ عنه ﷺ أنه قال: «تحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان». وقد أخبر الله٣ سبحانه أنها خير من ألف شهر٤، وأنه أنزل فيها القرآن.

وإن أراد أن الليلة المعيَّنة التي أُسري فيها بالنبي ﷺ حصل له فيها ما لم يحصل له في غيرها، من غير أن يُشرَع تخصيصُها بقيام ولا عبادة؛ فهذا صحيح. وليس إذا أعطى الله نبيَّه ﷺ فضله٥ في مكان أو زمان يجب أن يكون ذلك المكان والزمان٦ أفضل من جميع الأمكنة والأزمنة. هذا إذا قدِّر أنه قام دليل على أن إنعام الله تعالى على نبيِّه ليلة الإسراء كان أعظم من إنعامه عليه بإنزال القرآن ليلة القدر وغير ذلك من النعم التي أنعم عليه.

والكلام في مثل هذا يحتاج إلى علم بحقائق الأمور، ومقادير النعم التي لا تُعرَف إلا بوحي، ولا يجوز لأحد أن يتكلَّم فيها بلا علم. ولا يُعرَف عن أحد من المسلمين أنه جعل لليلة الإسراء فضيلةً على غيرها، لا سيما على

  1. (١) البخاري (١٩٠١) ومسلم (٧٦٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) البخاري (٢٠٢٠) ومسلم (١١٦٩) من حديث عائشة ﵂.
  3. (٣) لفظ الجلالة من ص، ن.
  4. (٤) من هنا سقطت كراسة فيما يظهر من ق واستكملت بخط آخر، ولكن لم يثبت فيها النص الآتي من التعديل المذكور آنفًا.
  5. (٥) مب، ن: «فضيلة».
  6. (٦) مب: «الزمان أو المكان».
37

ليلة القدر، ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها، ولهذا لا يُعرَف أي ليلة كانت. وإن كان الإسراء من أعظم فضائله ﷺ، ومع هذا فلم يُشرَع تخصيصُ ذلك الزمان ولا ذلك المكان بعبادة شرعية. بل غار حراء الذي ابتدئ فيه بنزول الوحي وكان يتحرَّاه قبل النبوة لم يقصده هو ولا أحد من أصحابه بعد النبوة مدة مقامه بمكة، ولا خصَّ اليومَ الذي أنزل فيه الوحي بعبادة ولا غيرها، ولا خصَّ المكانَ الذي ابتدئ فيه بالوحي ولا الزمان بشيء. ومن خصَّ الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا لزمان أحوال المسيح مواسم وعبادات، كيوم الميلاد، ويوم التعميد، وغير ذلك من أحواله. وقد رأى عمر بن الخطاب جماعةً ينتابون مكانًا يصلون فيه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مكان صلَّى فيه رسول الله ﷺ، فقال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟! إنما هلك من كان قبلكم بهذا، فمن أدركته فيه الصلاة فليصلِّ، وإلا فليمضِ١.

وقد قال بعض الناس٢: إن ليلة الإسراء في حق النبي ﷺ أفضل من

  1. (١) أخرجه عبد الرزاق (٢٧٣٤) وابن أبي شيبة (٧٦٣٢) وسعيد بن منصور ــ كما في «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٢٧٣) ــ وابن وضاح في «البدع» (١٠٠). صححه شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٤١٠) وابن كثير في «مسند الفاروق» (١/ ١٤٣) والحافظ في «الفتح» (١/ ٥٦٩).
  2. (٢) هنا انتهت العبارة الطويلة التي وردت في حاشية ص ومتن مب، ن، وخلت منها الأصول الأخرى. والجدير بالذكر أن هذا الذي نُسِب في العبارة الجديدة إلى بعض الناس قد نسبه المؤلف من قبل إلى شيخ الإسلام في أصل هذا الكتاب و«بدائع الفوائد» (٣/ ١١٠٣) ضمن مسائل في التفضيل نقلها عن الشيخ.
38

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي