زاد المعاد

وأمر العباسَ أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنودُ الله فيراها، ففعل، فمرَّت القبائل على راياتها، كلَّما مرَّت قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فأقول: سُلَيم، قال: يقول: ما لي ولسليم، ثم تمر به القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نفدت١ القبائل، ما تمر به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته بهم قال: ما لي ولبني فلان، حتى مر به رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء٢ فيها المهاجرون والأنصار، لا يُرى منهم إلا الحَدَق من الحديد، قال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحدٍ بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة، ثم قال: والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملكُ ابن أخيك اليوم عظيمًا، قال: قلتُ: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال: فنعم إذًا، قال: قلت: النجاء إلى قومك٣.

وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال له: اليوم يوم الملحمة، اليومُ تُستحلُّ الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا. فلما حاذى رسول الله ﷺ أبا سفيان قال: يا رسول الله، ألم تسمع ما قال سعد؟ قال: «وما قال؟» فقال: قال

  1. (١) ص، د، ز: «نفَذت» بالذال المعجمة.
  2. (٢) أي التي يعلوها سواد الحديد، والعرب تطلق الخُضرة على السواد، والعكس.
  3. (٣) وهذا أيضًا جزء من حديث ابن عباس الطويل الذي سبق تخريجه. وله شاهد من مرسل عروة عند البخاري (٤٢٨٠).
491

كذا وكذا، فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله ما نأمن أن يكون منه١ في قريش صولة، فقال رسول الله ﷺ: «بل اليوم يوم تُعظَّم فيه الكعبة، اليوم أعزَّ الله فيه قريشًا»، ثم أرسل رسول الله ﷺ إلى سعد فنزع منه اللواء ودفعه إلى قيس ابنه، ورأى أن اللواء لم يخرج عن سعدٍ إذ صار إلى ابنه٢.

قال أبو عمر٣: وروي أن النبي ﷺ لما نزع منه الراية دفعها إلى الزبير.

ومضى أبو سفيان حتى إذا جاء قريشًا صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن٤، فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحَمِيت الدَّسِم الأحمس٥، قُبِّح مِن طليعة قوم! قال: ويلكم لا تغرنَّكم هذه من أنفسكم، فإنه

  1. (١) ن، المطبوع: «له».
  2. (٢) هذه الفقرة عند الواقدي (٢/ ٨٢١) ــ ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٣/ ٤٥٤) ــ بنحوها، ولفظ النبي ﷺ عنده: «اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله فيه قريشًا». وله شاهد من مرسل عروة عند البخاري (٤٢٨٠) بلفظ: «كذب سعد، ولكن هذا يوم يُعظِّم اللهُ فيه الكعبة، ويومٌ تُكسى فيه الكعبة»، وليس فيه ذكر نزع اللواء.
  3. (٣) في «الدرر» (ص ٢٣١)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٧٢).
  4. (٤) بعده في س: «قالوا: قاتلك الله ... ومن دخل المسجد فهو آمن». وهو كلام مُحال عن موضعه لانتقال النظر، وسيأتي في موضعه قريبًا.
  5. (٥) في النسخ المطبوعة: «الأحمش الساقين»، تحريف وزيادة على ما في الأصول. والحَمِيت: وعاءٌ من جلد يُجعل فيه السمن، والأحمس: الشديد، والمراد تشبيه سِمَنه وشحامته، ويمكن أن يكون المراد بالأحمس: الذي لا خير عنده من قولهم: أرضٌ أحامِس، إذا كانت جدبة ليس بها كلأٌ ولا مرتع. انظر: «الروض الأنف» (٧/ ٩٤)، و«عيون الأثر» (٢/ ١٨٣)، و«تاج العروس» (حمس).
492

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي