زاد المعاد

فلما أكمله دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت، فدخلها فرأى فيها الصور ورأى صورةَ إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام فقال: «قاتلهم الله، والله إن استقسما بها قط»، ورأى في الكعبة حمامةً من عيدان فكسرها بيده، وأمر بالصور فمُحيت١.

ثم أغلق عليه البابَ وعلى أسامة وبلال، فاستقبل الجدارَ الذي يقابل الباب حتى إذا كان بينه وبينه قدرُ ثلاثة أذرعٍ وقف وصلَّى هناك، ثم دار في البيت وكبَّر في نواحيه ووحَّد الله٢.

ثم فتح الباب وقريش قد ملأت المسجدَ صفوفًا ينظرون٣ ماذا يصنع، فأخذ بعِضادتَي الباب٤ وهم تحته، فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له،

  1. (١) قوله ﷺ: «قاتلهم الله ...» وأمرُه بمحو الصور أخرجه البخاري (٣٣٥٢) من حديث ابن عباس. وذِكرُ طوافه ﷺ على البعير وكسره لحمامة عيدانٍ أخرجه ابن إسحاق ــ ومن طريقه ابن هشام (٢/ ٤١١) وابن ماجه (٢٩٤٧) والحاكم (٤/ ٦٩) ــ من حديث صفية بنت شيبة بن عثمان العبدريّة، وإسناده حسن.
  2. (٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (١١٨٦) وأحمد (٦٢٣١) والبخاري (٤٦٨، ٥٠٦) ومسلم (١٣٢٩) من حديث ابن عمر دون ذكر التكبير والتهليل في نواحيه، وإنما صحَّ ذلك من حديث أسامة بن زيد عند أحمد (٢١٨٢٣) والنسائي (٢٩١٤) وابن خزيمة (٣٠٠٤). وصحّ ذكر التكبير فقط من حديث ابن عباس عند البخاري (٣٩٨، ١٦٠١).
  3. (٣) المطبوع: «ينتظرون» خلافًا للأصول.
  4. (٤) عِضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان في الحائط على جانبي الباب، وفيهما يُثبَّت مصراعا الباب. وأَخْذ النبي ﷺ بعضادتي الباب صحّ من حديث أبي هريرة الذي سيأتي تخريجه عند قوله: «لا تثريب عليكم ...».
496

صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كلُّ مأثرةٍ أو مال أو دم فهو تحت قدمَيَّ هاتين، إلَّا سِدانةَ البيت وسقاية الحاج. ألا وقتلُ الخطإ شِبْهُ العمد السوطُ والعصا ففيه الديةُ مغلظةً مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها.

يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتَعَظُّمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب»، ثم تلا هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].

ثم قال: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء»١.

  1. (١) خطبة النبي ﷺ ذكرها ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤١٢) ــ عن بعض شيوخه من أهل العلم مرسلة. ولها شواهد حسان تعضدها، منها:
    ما أخرجه الأزرقي في «أخبار مكة» (٢/ ١٢١) من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن عطاء والحسن وطاوس مرسلًا بنحوه أطول مما هنا. ومسلم بن خالد فيه لين، ولكن تابعه إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أشياخه ــ دون أن يسميهم ــ ببعضه. أخرجه البلاذري في «فتوح البلدان» (ص ٥٧).
    وللفقرة الأولى شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بمثله. أخرجه أبو داود (٤٥٤٧) وابن حبان (٦٠١١) بإسناد جيِّد.
    وللفقرة الثانية شاهد من حديث ابن عمر عند الترمذي (٣٢٧٠) وابن أبي حاتم في «تفسيره» ــ كما في «تفسير ابن كثير» (الحجرات: ١٣) ــ بإسنادين ضعيفين. ويشهد له أيضًا حديث أبي هريرة عند أحمد (٨٧٣٦) وأبي داود (٥١١٦) بإسناد حسن إلا أنه ليس فيه ذكر الخطبة والآية.
    وللفقرة الثالثة شاهد من حديث أبي هريرة عند النسائي في «الكبرى» (١١٢٣٤) والطحاوي في «معاني الآثار» (٣/ ٣٢٥) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٥٨) بإسناد جيّد، إلا أنه ليس فيه قوله: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، ولكن يشهد له أن مسلمة الفتح كان يقال لهم «الطلقاء» كما في حديث أنس عن أحداث غزوة حنين عند البخاري (٤٣٣٣) ومسلم (١٠٥٩/ ١٣٥).
497

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي