ثم جلس في المسجد، فقام إليه عليٌّ ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحِجابة مع السقاية صلى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ: «أين عثمان بن طلحة؟» فدعي له فقال: «هاك مفتاحَك يا عثمان، اليوم يوم بِرٍّ ووفاء»١.
وذكر ابن سعد في «الطبقات»٢ عن عثمان بن طلحة قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس، فأقبل النبي ﷺ يومًا يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فأغلظتُ له ونِلت منه، فحَلُم عني، ثم قال: «يا عثمان، لعلك سترى هذا المفتاح يومًا بيدي أضعه حيث شئت»، فقلت: لقد هلكت قريش يومئذٍ وذلَّت، فقال: «بل عَمَرت وعزَّت يومئذ»، ودخل الكعبة فوقعت كلمته مني موقعًا ظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قال، فلما كان
(١) ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤١٢) ــ عن بعض أهل العلم. وله شاهد من مرسل أبي سلمة بن عبد الرحمن ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عند ابن أبي شيبة (٣٨٠٥٥) ضمن حديثهما الطويل في غزوة الفتح.
(٢) (٥/ ١٦) عن شيخه الواقدي ــ وهو عنده في «مغازيه» (٢/ ٨٣٧) بنحوه بلا ذكر الإسناد ــ عن إبراهيم بن محمد العبدري عن أبيه عن عثمان بن طلحة. إسناده ضعيف من أجل الواقدي، ولكن لبعضه شواهد يأتي ذكرها عند الجزء المشهود له.
يوم الفتح قال: «يا عثمان، ائتني بالمفتاح»، فأتيته به، فأخذه مني ثم دفعه إليَّ وقال: «خذوها خالدةً تالدةً لا ينزعها منكم إلا ظالم. يا عثمان، إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف»١.
قال: فلما ولَّيتُ ناداني فرجعت إليه، فقال: «ألم يكن الذي قلت لك؟» قال: فذكرتُ قولَه لي بمكة قبل الهجرة: «لعلك سترى هذا المفتاح بيدي أضعه حيث شئت»، فقلت: بلى، أشهد أنك رسول الله.
وذكر سعيد بن المسيب: أن العباس تطاول يومئذٍ لأخذ المفتاح في رجال من بني هاشم، فردَّه رسول الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة٢.
وأمر رسول الله ﷺ بلالًا أن يصعد فيؤذن على الكعبة، وأبو سفيان بن حربٍ وعَتَّاب بن أَسِيد والحارث بن هشام وأشرافُ قريشِ جلوس بفناء الكعبة، فقال عتَّاب: لقد أكرم الله أَسِيدًا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما
(١) قوله: «خذوها خالدةً تالدةً لا ينزعها منكم إلا ظالم» له شاهد من حديث ابن أبي مليكة عن ابن عباس عند الطبراني في «الكبير» (١١/ ١٢٠) و«الأوسط» (٤٨٨)، وإسناده ضعيف، وقد روي عن ابن أبي مليكة مرسلًا عند عبد الرزاق (٩٠٧٦)، وهو أشبه. وآخر من حديث شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ــ ابن عمّ عثمان بن طلحة ــ أن النبي ﷺ دفع إليه المفتاح وإلى عثمان بن طلحة فقال: «خذوها يا بني [أبي] طلحة خالدة ...» ذكره أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (١٦٧٤) عن أحمد بن زهير، عن مصعب بن عبد الله الزبيري (ت ٢٣٦) عن شيبة معضلًا. وذكر الحافظ في «الفتح» (٨/ ١٩) شاهدًا له من مرسل عبد الرحمن بن سابط رواه محمد بن عائذ القرشي (ت ٢٣٣) في «مغازيه». وانظر: «أخبار مكة» للأزرقي (١/ ٢٦٥ - ٢٦٧).
(٢) أسنده ابن سعد في «الطبقات» (٥/ ١٧) بإسناد ضعيف. وله شاهد من مرسل ابن أبي مليكة عند عبد الرزاق (٩٠٧٦).