يوم الفتح قال: «يا عثمان، ائتني بالمفتاح»، فأتيته به، فأخذه مني ثم دفعه إليَّ وقال: «خذوها خالدةً تالدةً لا ينزعها منكم إلا ظالم. يا عثمان، إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف»١.
قال: فلما ولَّيتُ ناداني فرجعت إليه، فقال: «ألم يكن الذي قلت لك؟» قال: فذكرتُ قولَه لي بمكة قبل الهجرة: «لعلك سترى هذا المفتاح بيدي أضعه حيث شئت»، فقلت: بلى، أشهد أنك رسول الله.
وذكر سعيد بن المسيب: أن العباس تطاول يومئذٍ لأخذ المفتاح في رجال من بني هاشم، فردَّه رسول الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة٢.
وأمر رسول الله ﷺ بلالًا أن يصعد فيؤذن على الكعبة، وأبو سفيان بن حربٍ وعَتَّاب بن أَسِيد والحارث بن هشام وأشرافُ قريشِ جلوس بفناء الكعبة، فقال عتَّاب: لقد أكرم الله أَسِيدًا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما
(١) قوله: «خذوها خالدةً تالدةً لا ينزعها منكم إلا ظالم» له شاهد من حديث ابن أبي مليكة عن ابن عباس عند الطبراني في «الكبير» (١١/ ١٢٠) و«الأوسط» (٤٨٨)، وإسناده ضعيف، وقد روي عن ابن أبي مليكة مرسلًا عند عبد الرزاق (٩٠٧٦)، وهو أشبه. وآخر من حديث شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ــ ابن عمّ عثمان بن طلحة ــ أن النبي ﷺ دفع إليه المفتاح وإلى عثمان بن طلحة فقال: «خذوها يا بني [أبي] طلحة خالدة ...» ذكره أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (١٦٧٤) عن أحمد بن زهير، عن مصعب بن عبد الله الزبيري (ت ٢٣٦) عن شيبة معضلًا. وذكر الحافظ في «الفتح» (٨/ ١٩) شاهدًا له من مرسل عبد الرحمن بن سابط رواه محمد بن عائذ القرشي (ت ٢٣٣) في «مغازيه». وانظر: «أخبار مكة» للأزرقي (١/ ٢٦٥ - ٢٦٧).
(٢) أسنده ابن سعد في «الطبقات» (٥/ ١٧) بإسناد ضعيف. وله شاهد من مرسل ابن أبي مليكة عند عبد الرزاق (٩٠٧٦).
يَغيظه، فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه حق لاتَّبعتُه، فقال أبو سفيان: والله لا أقول شيئًا، لو تكلَّمتُ لأَخبرت عني هذه الحصباء، فخرج عليهم النبي ﷺ فقال لهم: «قد علمتُ الذي قلتم» ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، واللهِ ما اطَّلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك١.
فصل
ثم دخل رسول الله ﷺ دار أم هانئ بنت أبي طالب، فاغتسل وصلى ثمانِ ركعاتٍ في بيتها٢، وكانت ضحًى فظنَّها من ظنها صلاةَ الضحى، وإنما هذه صلاة الفتح، وكان أمراء الإسلام إذا فتحوا حصنًا أو بلدًا صلَّوا عقيب الفتح هذه الصلاة اقتداءً برسول الله ﷺ٣. وفي القصة ما يدل على أنها بسبب الفتح شكرًا لله عليه، فإنها قالت: ما رأيته صلاها قبلها ولا بعدها٤.
وأجارت أم هانئ حَمْوَين لها فقال النبي ﷺ: «قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ»٥.
(١) ذكره ابن هشام (٢/ ٤١٣) عن بعض أهل العلم. ولأذان بلال فوق الكعبة يوم الفتح شاهد من حديث سلمان الفارسي عند عبد الرزاق (١٩٤٦٤) وفي سنده انقطاع. وآخر من مرسل عروة عند ابن أبي شيبة (٢٣٤٤) وأبي داود في «المراسيل» (٢٣).
(٢) أخرجه البخاري (١١٠٣) ومسلم (٣٣٦) من حديث أم هانئ.
(٣) يُروى أن سعدًا صلَّاها في إيوان كسرى عندما فتح المدائن، وأن خالدًا صلَّاها لمّا فتح الحِيرة. انظر: «تاريخ الطبري» (٣/ ٣٦٦، ٤/ ١٦) و«البداية والنهاية» (٩/ ٥٢٤، ١٠/ ١٣).
(٤) أخرجه أحمد (٢٧٣٩١) ومسلم (٣٣٦/ ٨١).
(٥) أخرجه أحمد (٢٦٨٩٢، ٢٦٨٩٦) والبخاري (٣٥٧) ومسلم (٣٣٦/ ٨٢) والنسائي في «الكبرى» (٨٦٣١)، وليس في «الصحيحين» ذكر الحموين.