الجمعة أفضل من ليلة القدر١. والصواب أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة ويوم النحر أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر وليلة الجمعة. ولهذا كان لوقفة الجمعة يوم عرفة مزية على سائر الأيام من وجوه متعددة:
أحدها: اجتماع اليومين اللذين هما أفضل الأيام.
الثاني: أنه اليوم الذي فيه ساعة محققة الإجابة، وأكثر الأقوال أنها آخر ساعة بعد العصر، وأهل الموقف كلهم إذ ذاك واقفون للدعاء والتضرع.
الثالث: موافقته ليوم وقفة رسول الله ﷺ.
الرابع: أن فيه اجتماع الخلائق في أقطار الأرض للخطبة وصلاة الجمعة، ويوافق ذلك اجتماع أهل عرفة بعرفة. فيحصل من اجتماع المسلمين في مساجدهم وموقفهم من الدعاء والتضرع ما لا يحصل في يوم سواه.
الخامس: أن يوم الجمعة يوم عيد، ويوم عرفة يوم عيد٢ لأهل عرفة؛ ولذلك كُره لمن بعرفة صومه. وفي النسائي٣ عن أبي هريرة قال: «نهى
(١) نقل ابن مفلح في «الفروع» (٥/ ١٢٨) الروايتين عن ابن عقيل. وانظر: «مختصر الفتاوى المصرية» (ص ٨٦).
(٢) ك: «ويومُ عرفة عيدٌ».
(٣) في «الكبرى» (٢٨٤٣، ٢٨٤٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٣٥٥٦) وأحمد (٨٠٣١، ٩٧٦٠) وأبو داود (٢٤٤٠) وابن ماجه (١٧٣٢). والحديث ضعيف كما علله المؤلف. وضعفه أيضًا العقيلي في «الضعفاء» (٢/ ١٤٣) وابن عدي في «الكامل» (٤/ ٢٠٨) وغيرهما.
رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفة». وفي إسناده نظر، لأنَّ مهدي بن حرب الجزري١ ليس بمعروف، ومداره عليه. ولكن ثبت في «الصحيح»٢ من حديث أم الفضل: «أن ناسًا تمارَوا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله ﷺ، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلَتْ إليه بقَدَح لبنٍ وهو واقف على بعيره، فشربه».
وقد اختلف في حكمة استحباب فطر يوم عرفة بعرفة، فقالت طائفة: ليتقوَّى على الدعاء، هذا قول الخِرَقي وغيره٣. وقال غيرهم ــ منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ــ: الحكمة فيه أنه عيد لأهل عرفة، فلا يُستحَبُّ صومه. قال: والدليل عليه الحديث٤ الذي في «السنن»٥
عن النبي ﷺ أنه قال:
(١) كذا في جميع الأصول. وفي هامش ن: «الصواب: الهجري، كما في الخلاصة والتقريب». وهو كما قال. ولعله تحريف «الهجَري». وفي النسخ المطبوعة: «العبدي».
(٢) البخاري (١٦٦١) ومسلم (١١٢٣).
(٣) انظر: «المغني» (٤/ ٤٤٤).
(٤) ج: «الحديث المشهور».
(٥) أبو داود (٢٤١٩) والترمذي (٧٧٣) والنسائي في «المجتبى» (٣٠٠٤) وفي «الكبرى» (٤١٦٧)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٩٨٦٣) وأحمد (١٧٣٧٩، ١٧٣٨٣) والدارمي (١٨٠٥). صححه الترمذي وابن خزيمة (٢١٠٠) وابن حبان (٣٦٠٣) والحاكم (١/ ٤٣٤). وعندهم جميعًا: «وأيام التشريق»، وليست عند ابن أبي شيبة. قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢١/ ١٦٣): «هذا حديث انفرد به موسى بن علي عن أبيه، وما انفرد به فليس بالقوي، وذكْر «يوم عرفة» في هذا الحديث غير محفوظ، وإنما المحفوظ عن النبي ﷺ من وجوه: (يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق)». وأجاب عنه ابن رجب في «فتح الباري» (١/ ١٧٣)، وقبله شيخ الإسلام كما سيذكره المؤلف. وقد بوَّب عليه النسائي في «الكبرى»: «النهي عن صوم يوم عرفة بعرفة».