وفيها: جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلمًا، لأن عمر ﵁ سأل رسول الله ﷺ قتل حاطب بن أبي بلتعة لما بعث يخبر أهل مكة بالخبر، ولم يقل رسول الله ﷺ: لا يحل قتله إنه مسلم، بل قال: «وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم»، فأجاب بأن فيه مانعًا مِن قتله وهو شهوده بدرًا، وفي الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل جاسوسٍ ليس له مثل هذا المانع.
وهذا مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يقتل، وهو ظاهر مذهب أحمد؛ والفريقان يحتجون بقصة حاطب١.
والصحيح: أن قتله راجع إلى رأي الإمام، فإن رأى في قتله مصلحةً للمسلمين قتله وإن كان إبقاؤه٢ أصلح استبقاه. والله أعلم.
فصل
وفيها: جواز تجريد المرأة كلِّها وتكشيفها للحاجة والمصلحة العامة، فإن عليًّا والمقداد قالا للظعينة: لتخرِجِنَّ الكتاب أو لنكشفنَّك، وإذا جاز تجريدها لحاجتها إلى ذلك حيث تدعو إليها، فتجريدها لمصلحة الإسلام والمسلمين أولى٣.
(١) سبقت المسألة (ص ١٣٦)، وثَمَّ العزو إلى كتب المذاهب.
(٢) د، المطبوع: «استبقاؤه».
(٣) وقد بوّب بذلك البخاري على هذا الحديث (٣٠٨١) فقال: «باب إذا اضطُرَّ الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة والمؤمنات إذا عصين الله، وتجريدهن».
فصل
وفيها: أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق أو الكفر متأولًا وغضبًا لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظِّه فإنه لا يكفر بذلك، بل لا يأثم به، بل يثاب على نيته وقصده١. وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يُكفِّرون ويُبدِّعون لمخالفة أهوائهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدعوه.
فصل
وفيها: أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تُكفَّر بالحسنة الكبيرة الماحية، كما وقع الجَسُّ من حاطبٍ مكفَّرًا بشهوده بدرًا؛ فإن ما اشتملت عليه هذه الحسنة العظيمة من المصلحة، وتضمَّنته من محبة الله لها ورضاه بها وفرحه بها ومباهاته لملائكته بفاعلها= أعظمُ مما اشتملت عليه سيئة الجس من المفسدة وتضمنته من بغض الله لها، فغلب الأقوى على الأضعف فأزاله وأبطل مقتضاه.
وهذه حكمة الله سبحانه في الصحة والمرض الناشئين من الحسنات والسيئات الموجِبتَين٢ لصحة القلب ومرضه، وهي نظير حكمته تعالى في الصحة والمرض اللاحِقَين للبدن، فإنَّ الأقوى منهما يقهر المغلوب ويَصير الحكمُ له حتى يذهب أثر الأضعف؛ فهذه حكمته في خلقه وقضائه وتلك حكمته في شرعه وأمره.
وهذا كما أنه ثابت في محو السيئات بالحسنات لقوله تعالى: ﴿إِنَّ
(١) وقد بوّب البخاري بذلك في كتاب الأدب فقال: «باب من لم يَرَ إكفار مَن قال ذلك متأولًا أو جاهلًا»، ثم أورد قصة حاطب معلَّقًا باختصار.