زاد المعاد

طلحة يومئذ: «أوجب طلحة»١، ورُفع إلى النبي ﷺ رجل وقالوا: يا رسول الله، إنه قد أوجب، فقال: «أعتقوا عنه»٢.

وفي الحديث الصحيح: «أتدرون ما المُوجِبتان؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار»٣.

يريد أن التوحيد والشرك رأس الموجبات وأصلها، فهما بمنزلة السم القاتل قطعًا والتِرياق المُنجي قطعًا.

وكما أن البدن قد تعرض له أسباب رديَّة لازمة توهن قوَّتَه وتُضعفها، فلا ينتفع معها بالأسباب الصالحة والأغذية النافعة، بل تحيلها تلك الموادُّ الفاسدة إلى طبعها وقوتها، فلا يزداد بها إلا مرضًا، وقد تقوم به موادُّ صالحةٌ وأسباب موافقة توجب قوته وتمكُّنه من الصحة وأسبابِها، فلا تكاد تضرُّه الأسباب الفاسدة، بل تحيلها تلك المواد الفاضلة إلى طبعها= فهكذا موادُّ

  1. (١) وذلك يوم أُحُد، وقد سبق تخريجه (ص ٢٣٣)، وانظر: (ص ٢٣٩).
  2. (٢) تمامه: «يُعتق الله بكل عضوٍ منه عضوًا منه من النار». وقوله: «أوجب» يعني: النارَ بالقتل، كما في رواية أبي داود .. والحديث أخرجه أحمد (١٦٠١٢، ١٦٩٨٥) وأبو داود (٣٩٦٤) والنسائي في «الكبرى» (٤٨٧٠ - ٤٨٧٢) وابن حبان (٤٣٠٧) والحاكم (٢/ ٢١٢) عن واثلة بن الأسقع، وإسناده ضعيف. انظر: «الضعيفة» (٩٠٧).
  3. (٣) أخرجه أحمد (١٥٢٠٠) ومسلم (٩٣/ ١٥١) من حديث جابر إلا أن لفظه: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال رسول الله ﷺ: «من مات ...» إلخ.
521

صحةِ القلب وفساده.

فتأمل قوة إيمان حاطبٍ التي حملته على شهود بدرٍ وبذلِه نفسَه مع رسول الله ﷺ وإيثارِه اللهَ ورسولَه على قومه وعشيرته وأقاربه وهم بين ظهرانَي العدوِّ وفي بلدهم، ولم يَثْنِ ذلك عِنان عزمه، ولا فلَّ مِن حدِّ إيمانه ومواجهته بالقتال لمن أهلُه وعشيرته وأقاربه عندهم، فلما جاء مرض الجسِّ برزت إليه هذه القوة، فكان البحران صالحًا فاندفع المرض وقام المريض كأن لم يكن به قَلَبة١، ولما رأى الطبيب قوة إيمانه قد استعلت على مرض جسه وقَهَرتْه قال لمن أراد فَصْده: لا يحتاج هذا العارض إلى فِصاد، «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».

وعكس هذا ذو الخويصرة التميمي وأضرابه من الخوارج الذين بلغ اجتهادهم في الصلاة والصيام والقراءة إلى حدٍّ يَحقر أحدُ الصحابة عملَه معه، كيف قال فيهم: «لئن أدركتهم لأقتلنَّهم قتلَ عادٍ»٢، وقال: «اقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم»٣، وقال: «شر قتلى تحت أديم السماء»٤؛ فلم ينتفعوا بتلك الأعمال العظيمة مع تلك المواد الفاسدة المهلكة واستحالت فاسدةً.

  1. (١) أي كأن لم يكن به ألم ولا علّة. ولا يُستعمل «قلبة» إلا في النفي.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٤، ٧٤٣٢) ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٣٦١١، ٥٠٥٧، ٦٩٣٠) ومسلم (١٠٦٦/ ١٥٤) من حديث علي.
  4. (٤) أخرجه أحمد (٢٢١٥١، ٢٢١٨٣، ٢٢٣١٤) والترمذي وحسَّنه (٣٠٠٠) وابن ماجه (١٧٦) والطبراني في «الكبير» (٨/ ١٤٢) والحاكم (٢/ ١٤٩) من حديث أبي أمامة ﵁ بأسانيد حسان يشد بعضها بعضًا.
522

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي