فتأمل قوة إيمان حاطبٍ التي حملته على شهود بدرٍ وبذلِه نفسَه مع رسول الله ﷺ وإيثارِه اللهَ ورسولَه على قومه وعشيرته وأقاربه وهم بين ظهرانَي العدوِّ وفي بلدهم، ولم يَثْنِ ذلك عِنان عزمه، ولا فلَّ مِن حدِّ إيمانه ومواجهته بالقتال لمن أهلُه وعشيرته وأقاربه عندهم، فلما جاء مرض الجسِّ برزت إليه هذه القوة، فكان البحران صالحًا فاندفع المرض وقام المريض كأن لم يكن به قَلَبة١، ولما رأى الطبيب قوة إيمانه قد استعلت على مرض جسه وقَهَرتْه قال لمن أراد فَصْده: لا يحتاج هذا العارض إلى فِصاد، «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
وعكس هذا ذو الخويصرة التميمي وأضرابه من الخوارج الذين بلغ اجتهادهم في الصلاة والصيام والقراءة إلى حدٍّ يَحقر أحدُ الصحابة عملَه معه، كيف قال فيهم: «لئن أدركتهم لأقتلنَّهم قتلَ عادٍ»٢، وقال: «اقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم»٣، وقال: «شر قتلى تحت أديم السماء»٤؛ فلم ينتفعوا بتلك الأعمال العظيمة مع تلك المواد الفاسدة المهلكة واستحالت فاسدةً.
(١) أي كأن لم يكن به ألم ولا علّة. ولا يُستعمل «قلبة» إلا في النفي.
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٤، ٧٤٣٢) ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد.
(٣) أخرجه البخاري (٣٦١١، ٥٠٥٧، ٦٩٣٠) ومسلم (١٠٦٦/ ١٥٤) من حديث علي.
(٤) أخرجه أحمد (٢٢١٥١، ٢٢١٨٣، ٢٢٣١٤) والترمذي وحسَّنه (٣٠٠٠) وابن ماجه (١٧٦) والطبراني في «الكبير» (٨/ ١٤٢) والحاكم (٢/ ١٤٩) من حديث أبي أمامة ﵁ بأسانيد حسان يشد بعضها بعضًا.
وتأمل حالَ إبليس، لما كانت المادة المهلكة كامنةً في نفسه لم ينتفع معها بما سلف من طاعاته ورجع إلى شاكلته وما هو أولى به، وكذلك الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، وأضرابه وأشكاله؛ فالمُعوَّل على السرائر والمقاصد والنيات والهمم، فهي الإكسير الذي يقلب نحاس الأعمال ذهبًا أو يردُّها خَبَثًا، وبالله التوفيق.
ومن له لب وعقل يعلم قدر هذه المسألة وشدة حاجته إليها وانتفاعه بها ويطَّلع منها على باب عظيمٍ من أبواب معرفة الله سبحانه، وحكمته في خلقه وأمره وثوابه وعقابه، وأحكامِ الموازنة، وإيصال اللذة والألم إلى الروح والبدن في المعاش والمعاد، وتفاوتِ المراتب في ذلك بأسباب مقتضية بالغة ممن هو قائم على كل نفس بما كسبت.
فصل١
وفي القصة: جواز مباغتة المعاهدين إذا نقضوا العهدَ والإغارةِ عليهم، وأن لا يُعلمهم بمسيره إليهم. وأما ما داموا قائمين بالوفاء بالعهد فلا يجوز ذلك حتى يَنبِذ إليهم على سواء.
فصل
وفيها: جواز بل استحباب إظهار٢ كثرة المسلمين وقوَّتهم وشوكتهم وهيئتهم لرسل العدو إذا جاؤوا إلى الإمام، كما يفعل ملوك الإسلام، كما أمر النبي ﷺ بإيقاد النيران ليلة الدخول إلى مكة، وأمر العباسَ أن يحبس
(١) مكانه بياض في ص، د. وكذا في خمسة الفصول الآتية.