زاد المعاد

أبا سفيان عند خطم الجبل ــ وهو ما تضايق منه ــ حتى عُرضت عليه عساكر الإسلام وعصابة التوحيد وجند الله، وعرضت عليه خاصَكيةُ رسولِ الله ﷺ١ وهم في السلاح لا يُرى٢ منهم إلا الحَدَق، ثم أرسله فأخبر قريشًا بما رأى.

فصل

وفيها: جواز دخول مكة للقتال المباح بغير إحرام، كما دخل رسول الله ﷺ والمسلمون، وهذا لا خلاف فيه، ولا خلاف أنه لا يدخلها من أراد الحج أو العمرة إلا بإحرام، واختلف فيما سوى ذلك إذا لم يكن الدخول لحاجة متكررة كالحَشَّاش والحطَّاب على ثلاثة أقوال:

أحدها: لا يجوز دخولها إلا بإحرام، وهذا مذهب ابن عباس وأحمد في ظاهر مذهبه والشافعي في أحد قوليه.

والثاني: أنه كالحشَّاش والحطَّاب فيدخلها بغير إحرام، وهذا القول الآخر للشافعي ورواية عن أحمد.

والثالث: إن كان داخلَ المواقيت جاز دخولُه بغير إحرام، وإن كان خارج المواقيت لم يدخل إلا بإحرام، وهذا مذهب أبي حنيفة٣.

  1. (١) الخاصكية: هم المقرّبون من الملك الملازمون له في خلواته، سمُّوا بذلك لخصوص القرب من الملك. انظر: «زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك» (ص ١١٥) لخليل بن شاهين المملوكي (ت ٨٧٣)، و«حدائق الياسمين في ذكر قوانين الخلفاء والسلاطين» (ص ١٠٨) لمحمد بن عيسى بن كنَّان (ت ١١٥٣).
  2. (٢) «لا يُرى» سقط من المطبوع.
  3. (٣) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» باب من كره أن يدخل مكة بغير إحرام وباب من رخص أن تُدخل مكة بغير إحرام (١٣٦٩١ - ١٣٧٠٢)، و«الموطأ» برواية الشيباني (ص ١٥٥) و«المدوّنة» (٢/ ٣٧٧)، و«الأم» (٣/ ٣٥٠ - ٣٥٥) و«المجموع» (٧/ ١٠)، و«مسائل أحمد» برواية عبد الله (ص ١٩٨) و«الإنصاف» (٨/ ١١٧).
524

وهديُ رسول الله ﷺ معلوم في المجاهد ومريد النسك، وأما من عداهما فلا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله أو أجمعت عليه الأمة.

فصل

وفيها: البيان الصريح بأن مكة فتحت عَنوةً كما ذهب إليه جمهور أهل العلم، ولا يعرف في ذلك خلاف إلا عن الشافعي وأحمد في أحد قوليه، وسياق القصة أوضح شاهدٍ لمن تأمَّله لقول الجمهور. ولمَّا استهجن أبو حامد الغزالي القولَ بأنها فتحت صلحًا حكى قولَ الشافعي أنها فتحت عنوةً في «وسيطه»١ وقال: هذا مذهبه.

قال أصحاب الصلح: لو فتحت عَنوةً لقسمها رسول الله ﷺ بين الغانمين، كما قسم خيبر وكما يقسم سائرَ الغنائم من المنقولات، فكان يُخمِّسها ويقسمها.

قالوا: ولما استأمن أبو سفيان لأهل مكة لما أسلم فأمَّنهم كان هذا عقدَ صلحٍ معهم.

قالوا: ولو فتحت عنوةً لملك الغانمون رِباعها ودورها، وكانوا أحقَّ بها من أهلها وجاز إخراجهم منها، فحيث لم يحكم رسول الله ﷺ فيها بهذا الحكم، بل لم يَرُدَّ على المهاجرين دورهم التي أُخرِجوا منها وهي بأيدي

  1. (١) (٧/ ٤٢)، ولفظه: «وصحَّ عنده (أي: الشافعي) أن مكة فتحت عنوةً على معنى أنه ﷺ دخلها مستعدًّا للقتال لو قوتل».
525

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي