«يوم عرفة ويوم النحر وأيام منًى عيدنا أهل الإسلام».
قال شيخنا: وإنما يكون يوم عرفة عيدًا في حقِّ أهل عرفة لاجتماعهم فيه، بخلاف أهل الأمصار فإنهم إنما يجتمعون يوم النحر، فكان هو العيد في حقِّهم. والمقصود أنه إذا اتفق يومُ عرفة يومَ جمعة، فقد اتفق عيدان معًا.
السادس: أنه موافق ليوم إكمال الله دينَه لعباده المؤمنين، وإتمام نعمته عليهم، كما ثبت في «صحيح البخاري»١ عن طارق بن شهاب قال: جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين آية تقرؤونها في كتابكم لو علينا ــ معشرَ اليهود ــ نزلت نعلم٢ ذلك اليوم الذي نزلت فيه لاتخذناه عيدًا. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾[المائدة: ٣]. فقال عمر بن الخطاب: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه: نزلت على رسول الله ﷺ يوم جمعة، ونحن واقفون معه بعرفة.
السابع: أنه موافق ليوم الجمع الأكبر، والموقف الأعظم يوم القيامة؛ فإن القيامة تقوم يوم الجمعة، كما قال النبي ﷺ: «خيرُ يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة. فيه خُلِق آدم، وفيه أُدخِل الجنة، وفيه أُخرِج منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرًا إلا أعطاه إياه»٣.
(١) برقم (٤٥)، وأخرجه أيضًا مسلم (٣٠١٧).
(٢) كذا في الأصول. وفي النسخ المطبوعة: «ونعلم».
(٣) أخرجه مسلم (٨٥٤)، وقد سبقت الإشارة إليه.
ولهذا شرع الله سبحانه لعباده يومًا يجتمعون فيه، فيذكرون المبدأ والمعاد والجنة والنار، وادخر الله لهذه الأمة يوم الجمعة، إذ فيه كان المبدأ وفيه المعاد. ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ في فجره سورتي (السجدة) و(هل أتى على الإنسان)١ لاشتمالهما على ما كان ويكون في هذا اليوم، من خلق آدم، وذكر المبدأ والمعاد، ودخول الجنة والنار؛ وكان٢ يذكِّر الأمةَ في هذا اليوم بما كان فيه وما يكون. فهكذا يتذكر الإنسان بأعظم مواقف الدنيا ــ وهو موقف عرفة٣ ــ الموقفَ الأعظمَ بين يدي الربِّ في هذا اليوم بعينه، ولا ينتصف حتى يستقرَّ أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم.
الثامن: أن الطاعة الواقعة من المسلمين يوم الجمعة٤ أكثر منها في سائر الأيام، حتى إن أكثر أهل الفجور ليحترمون يوم الجمعة وليلته، ويرون أن من تجرَّأ فيه على معاصي الله عجَّل الله عقوبته ولم يُمهله. وهذا أمر قد استقرَّ عندهم وعلموه بالتجارب، وذلك لعظم اليوم وشرفه عند الله، واختيار الله له من بين سائر الأيام. ولا ريب أن للوقفة فيه مزيةً على غيره.
التاسع: أنه موافق ليوم المزيد٥ في الجنة. وهو اليوم الذي يجتمع فيه
(١) البخاري (٨٩١) ومسلم (٨٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) مب: «فكان»، وكذا غيَّره بعضهم في ص.
(٣) ك، ع، مب: «يوم عرفة» وقد كتب بعضهم في حاشية ع: «موقف» مع علامة صح، يعني أن الصواب «موقف عرفة»، ففهم بعضهم أنه يقصد: «يوم موقف عرفة» كما في ق.
(٤) في ن فوق السطر: «وليلة الجمعة».
(٥) سيأتي ذكر الأحاديث عن يوم المزيد بأسانيدها عند ذكر خصائص يوم الجمعة.