على مزارعها وإن فتحت عنوةً، فإنها أجلُّ وأعظم من أن يضرَب عليها الخراج، لا سيما والخراج هو جِزية الأرض، وهو على الأرض كالجزية على الرؤوس، وحَرَمُ الربِّ أجلُّ قدرًا وأكبر من أن يُضرَب عليه جزية، ومكة بفتحها عادت إلى ما وضعها الله عليه من كونها حرمًا آمنًا يشترك فيه أهل الإسلام، إذ هو موضع مناسكهم ومتعبَّدُهم وقبلةُ أهل الأرض.
والثاني ــ وهو قول بعض أصحاب أحمد ــ: أن على مزارعها الخراج، كما هو على مزارع غيرها من أرض العنوة. وهذا فاسد مخالف لنص أحمد ومذهبه ولفعلِ رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين من بعده، فلا التفات إليه، والله أعلم.
وقد بنى بعض الأصحاب [منعَ]١ بيعِ رباع أهلِ٢ مكةَ على كونها فتحت عنوةً٣، وهذا بناء غير صحيح، فإن مساكن أرض العنوة تباع قولًا واحدًا فظهر بطلان هذا البناء. والله أعلم.
فصل٤
وفيها: تعيين قتل الساب لرسول الله ﷺ، وأن قتلَه حدٌّ لا بد من استيفائه، فإن النبي ﷺ لم يؤمِّن مِقْيَس بن صُبابة وابنَ خَطَل والجاريتين اللتين كانتا تغنيان بهجائه، مع أن نساء أهل الحرب لا يُقتلن كما لا تُقتل
(١) زيادة لازمة لاستقامة السياق، وهي في هامش ن بخط مغاير. وفي النسخ المطبوعة: «تحريم بيع ...».
الذرية، وقد أمر بقتل هاتين المرأتين١، وأهدر دم أُمِّ ولد الأعمى لمَّا قتلها سيدُها لأجل سبِّها النبيَّ ﷺ٢، وقتل كعب بن الأشرف اليهودي وقال: «مَن لكعبٍ، فإنه قد آذى الله ورسوله»٣ وكان يسبه.
وهذا إجماع من الخلفاء الراشدين ولا يُعلَم لهم في الصحابة مخالف، فإن الصديق قال لأبي برزة الأسلمي وقد همَّ بقتل من سبه: «لم تكن هذه لأحدٍ غير رسول الله ﷺ»٤، ومرَّ عمرُ براهبٍ فقيل له: هذا يسب رسول الله ﷺ، فقال: «لو سمعته لقتلته، إنَّا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا ﷺ»٥.
ولا ريب أن المحاربة بسبِّ نبينا أعظمُ أذيةً ونكايةً لنا من المحاربة باليد
(١) المطبوع: «الجاريتين».
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٦١) والنسائي (٤٠٧٠) والدارقطني (٣١٩٥) والضياء في «المختارة» (١٢/ ١٤٧) من حديث ابن عباس بإسناد جيِّد كما قال ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (٤/ ٦٢١).
(٣) متفق عليه من حديث جابر، وقد سبق تخريجه (ص ٢٢٣).
(٤) أخرجه أحمد (٥٤) وأبو داود (٤٣٦٣) والنسائي (٤٠٧١ - ٤٠٧٧) وأبو يعلى (٧٩ - ٨٢) والحاكم (٤/ ٣٥٤) والضياء في «المختارة» (١/ ١٠٤ - ١٠٩) من طرق عن أبي برزة الأسلمي به.
(٥) لم أجده عن عمر، وإنما أخرجه أحمد ــ ومن طريقه الخلَّال في «الجامع» (٧٣١ - أحكام أهلل الملل) ــ ومسدّد بن مُسَرهَد في «مسنده» كما في «المطالب العالية» (٢٠٣١)؛ كلاهما عن هُشَيم، عن حُصَين بن عبد الرحمن، عمَّن أخبره عن ابن عمر. وأخرجه أيضًا الحارث بن أبي أسامة بنحوه كما في «بغية الباحث» (٥١٠) و«المطالب».