زاد المعاد

إلى ما وضع عليه يوم خلق السماوات والأرض.

وكانت العرب في جاهليتها يرى أحدهم قاتلَ أبيه وابنه في الحرم فلا يهيجه وكان ذلك بينهم خاصِّيَّةَ الحرم التي صار بها حرمًا، ثم جاء الإسلام فأكَّد ذلك وقوَّاه، وعلم النبيُّ ﷺ أن من الأمة من يتأسى به في إحلاله بالقتال والقتل فقطع الإلحاق وقال لأصحابه: «فإن أحد ترخص بقتال١ رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لك٢».

وعلى هذا فمن أتى حدًّا أو قصاصًا خارج الحرم يوجب القتل ثم لجأ إليه لم يَجُز إقامتُه عليه فيه.

وذكر الإمام أحمد٣ عن عمر بن الخطاب أنه قال: «لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مَسِستُه حتى يخرج منه».

وذكر عن عبد الله بن عمر أنه قال: «لو وجدتُ فيه قاتلَ عمر ما نَدَهتُه»٤.

  1. (١) المطبوع: «لقتال» وهو لفظ البخاري، والمثبت من الأصول لفظ مسلم والترمذي وغيرهما.
  2. (٢) ز، س: «لكم» وهو لفظ «الصحيحين»، والمثبت من سائر الأصول لفظ الترمذي.
  3. (٣) لم أجده في كتبه ومسائله المطبوعة. وقد أخرجه عبد الرزاق (٩٢٢٨) ــ ومن طريقه ابن المنذر في «تفسيره» (١/ ٣٠٤) ــ والأزرقي في «أخبار مكة» (٢/ ١٣٩) وكذا الفاكهي (٣/ ٣٦٥) من رواية عكرمة بن خالد عن عمر، وهو مرسل فإن عكرمة بن خالد لم يسمع من عمر، وقد سمع من ابنه، فلعل هذا مما سمعه منه.
  4. (٤) أخرجه عبد الرزاق (٩٢٢٩) ــ ومن طريقه الخطابي في «غريب الحديث» (٢/ ٤٠٥) ــ والأزرقي (٢/ ١٣٩) من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن ابن عمر. قوله: «ما ندهته» كذا في مصادر التخريج، أي: ما صِحتُ به ولا هِجتُه، يقال: «نده البعيرَ» إذا زجره وطرده بالصياح. وفي ف، ز، د، ن: «بدهته» أي: ما فجأته، وهو مهمل غير منقوط في سائر الأصول.
546

وعن ابن عباس أنه قال: «لو لقيت قاتل أبي في الحرم ما هِجته حتى يخرج منه»١.

وهذا قول جمهور التابعين ومن بعدهم، بل لا يُحفظ عن تابعي ولا صحابي خلافُه، وإليه ذهب أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العراق، والإمامُ أحمد ومن وافقه من أهل الحديث٢.

وذهب مالك والشافعي إلى أنه يستوفى منه في الحرم كما يستوفى منه في الحل، وهو اختيار ابن المنذر٣. واحتُجَّ لهذا القول بعموم النصوص الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل مكان وزمان، وبأن النبي ﷺ قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، وبما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدم ولا خَربة»٤، وبأنه لو كان الحدُّ٥ والقصاص فيما دون النفس لم يُعِذه الحرم ولم يمنعه من إقامته عليه، وبأنه لو أتى فيه ما

  1. (١) أخرجه الفاكهي في «أخبار مكة» (٢٢١٣) والطبري في «تفسيره» (٥/ ٦٠٣) والطحاوي في «أحكام القرآن» (١٧٧٧) و«مشكل الآثار» (٩/ ٣٧٩).
  2. (٢) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (باب في إقامة الحد والقود في الحرم)، و«مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، و«المغني» (١٢/ ٤٠٩).
  3. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» (١٤/ ٢٢٦)، و«نهاية المطلب» (١٦/ ٣٠٦)، و«الإشراف» (٧/ ٣٧٧) و«الأوسط» (١٣/ ١١٠) كلاهما لابن المنذر.
  4. (٤) ليس بقول للنبي ﷺ، وسيأتي كلام المصنف عليه.
  5. (٥) س، المطبوع: «الحدود».
547

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي