زاد المعاد

وقوله في اللفظ الآخر: «ولا يخبط شوكها» صريحٌ أو كالصريح في تحريم قطع الورق، وهذا مذهب أحمد. وقال الشافعي: له أخذه١، ويُروى عن عطاء٢. والأول أصح لظاهر النص والقياس، فإن منزلته من الشجرة منزلة ريش الطائر منه، وأيضًا فإن أخذ الورق ذريعة إلى يبس الأغصان فإنه لباسها ووقايتها.

فصل

وقوله ﷺ: «ولا يختلى خلاها»٣، لا خلاف أن المراد من ذلك ما نبت بنفسه دون ما أنبته الآدميون، ولا يدخل اليابس في الحديث، بل هو للرطب خاصةً، فإن الخَلَى بالقصر الحشيش الرطب ما دام رطبًا، فإذا يبس فهو حشيش، و«أَخْلت الأرض»: كَثُر خلاها، و«اختلاء الخلى»: قَطْعُه، ومنه الحديث: كان ابن عمر يختلي لفرسه٤٥، ومنه سميت المِخلاة وهي وعاء الخلى.

والإذخر مستثنًى بالنص، وفي تخصيصه بالاستثناء دليل على إرادة العموم فيما سواه.

  1. (١) وذلك إذا كان الأخذ بسهولة دون الخبط الذي يضر بالشجرة. انظر: «البيان» للعمراني (٤/ ٢٥٩) و«المجموع» (٧/ ٤٤٧ - ٤٤٩).
  2. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٧٠٦) عنه. والمؤلف صادر عن «المغني» (٥/ ١٨٧).
  3. (٣) كما في حديث ابن عباس عند البخاري (١٣٤٩) ومسلم (١٣٥٣/ ٤٤٥)، وحديث أنس عند مسلم (١٣٦٧).
  4. (٤) أخرجه أحمد (٤٦٠٠) وابن سعد (٤/ ١٦٠) والفاكهي (٢٢٢٧).
  5. (٥) زِيد في طبعة الرسالة بعده: «أي يقطع لها الخلى»، وليس في شيء من الأصول ولا في الطبعة الهندية.
556

فإن قيل: فهل يتناول الحديث الرعي أم لا؟ قيل: هذا فيه قولان.

أحدهما: لا يتناوله فيجوز الرعي، وهذا قول الشافعي.

والثاني: يتناوله بمعناه وإن لم يتناوله بلفظه، فلا يجوز الرعي، وهو مذهب أبي حنيفة. والقولان لأصحاب أحمد١.

قال المحرمون: وأي فرق بين اختلائه وتقديمه للدابة وبين إرسال الدابة عليه ترعاه؟

قال المبيحون: لما كانت عادة الهدايا أن تدخل الحرم وتكثر فيه، ولم يُنقَل قط أنها كانت تُسَدُّ أفواهها= دل على جواز الرعي.

قال المحرمون: الفرق بين أن يرسلها ترعى ويسلِّطَها على ذلك وبين أن ترعى بطبعها من غير أن يسلطها صاحبُها، وهو لا يجب عليه أن يَسُدَّ أفواهها كما لا يجب عليه أن يَسُدَّ أنفه في الإحرام عن شم الطيب وإن لم يجز له أن يتعمَّد شمَّه، وكذلك لا يجب عليه أن يمتنع من السَّير خشيةَ أن يُوطئ صيدًا٢ في طريقه وإن لم يجز له أن يقصد ذلك، وكذلك نظائره.

فإن قيل: فهل يدخل في الحديث أخذ الكمأة والفَقْع٣ وما كان مغيَّبًا في الأرض؟ قيل: لا يدخل فيه لأنه بمنزلة الثمرة، وقد قال أحمد٤: يُؤكل من

  1. (١) انظر: «كتاب اختلاف العراقيين - الأم» للشافعي (٨/ ٣٤٤) و«مختصر الطحاوي مع شرح الجصاص» (٢/ ٥٦٤) و«الإنصاف» للمرداوي (٩/ ٥٣).
  2. (٢) أي: خشية أن يطأ الصيد براحلته أو فرسه. يقال: أوطأ فرسَه الصَّيد: حملها عليه فوطئته.
  3. (٣) الفقع: ضرب من أردإ الكمأة.
  4. (٤) في رواية حنبل، كما في «المغني» (٥/ ١٨٨).
557

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي