وقوله ﷺ: «ولا يُنفَّر صيدها»٢ صريح في تحريم التسبُّب إلى قتل الصيد واصطياده بكل سبب، حتى إنه لا ينفره عن مكانه لأنه حيوان محترم في هذا المكان، قد سبق إلى مكان فهو أحق به، ففي هذا أن الحيوان المحترم إذا سبق إلى مكان لم يزعج عنه.
فصل
وقوله ﷺ: «ولا يَلتقط ساقطتها إلا من عرَّفها»٣، وفي لفظ: «لا تحل ساقطتُها إلا لمُنْشِد»٤، فيه دليل على أن لقطة الحرم لا تُملَّك بحال، وأنها لا تلتقط إلا للتعريف لا للتمليك، وإلا لم يكن لتخصيص مكة بذلك فائدة أصلًا.
وقد اختُلف في ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة: لقطة الحِلِّ والحرم سواء،
(١) الضغابيس: صغار القثاء، واحده: ضُغبوس. والعِشرق: نبت يشبه السَّنا ــ ويقال: هو السَّنا المكي ــ له حبٌّ يؤكل، وهو نافع للبواسير، والمراد هنا أكل حبِّه دون قلعه أو قطع ورقه.
(٢) ورد ذلك في حديثي ابن عباس وأبي هريرة ﵃ المتفق عليهما.
(٣) أخرجه البخاري (١٥٨٧، ١٨٣٤، ٣١٨٩) ومسلم (١٣٥٣) عن ابن عباس بلفظ: «ولا يلتقط لُقَطَته إلا من عرَّفها».
(٤) أخرجه البخاري (٢٤٣٤) ومسلم (١٣٥٥/ ٤٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁. وفي لفظ آخر لها: «ولا يلتقط ساقطَتها إلا مُنشد». البخاري (٦٨٨٠) ومسلم (١٣٥٥/ ٤٤٨).
وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي١، ويروى عن ابن عمر وابن عباس وعائشة٢.
وقال أحمد في الرواية الأخرى والشافعي في القول الآخر: لا يجوز التقاطها للتمليك، وإنما يجوز لحفظها لصاحبها، فإن التقطها عرَّفها أبدًا حتى يأتي صاحبُها، وهذا قول عبد الرحمن بن مهدي وأبي عبيد، وهذا هو الصحيح والحديثُ صريح فيه. والمنشد: المُعرِّف، والناشد: الطالب، ومنه قوله٣:
إصاخةَ الناشد للمنشد
وقد روى أبو داود في «سننه»٤: أن النبي ﷺ نهى عن لقطة الحاج، قال
(٢) كذا في «المغني»، والذي في «الأوسط» لابن المنذر (١١/ ٤٠٥ - ٤٠٦) أنه يُروى ذلك عن عمر بن الخطاب (وليس ابن عمر). وقد أسند ابن المنذر آثارهم في ذلك، وليس في الأثر عن عمر وابن عبَّاس حجة لهذا القول، لأنهما أمرا الملتقط بالتصدُّق بها عن صاحبها إذا لم يجده بعد التعريف. وأما عائشة فإنها قالت للمرأة التي أصابت ضالَّة في الحرم وعرَّفَتْها فلم تجد أحدًا يعرفها: «استنفعي بها». وإسناده صحيح، وأخرجه أيضًا الطحاوي في «معاني الآثار» (٤/ ١٣٩) واحتجَّ به على مذهبه.
(٣) عجُز بيتٍ للمثقَّب العبدي وهو يصف إصاخة الثور ــ أي: استماعه ــ وتوجُّسه إذا أحس بشيء من أسباب القانص، وصدره: يُصيخ للنَّبْأة أسماعَه انظر: «ديوانه» (ص ٤١) و«البيان والتبيُّن» (٢/ ٢٨٨).
(٤) برقم (١٧١٩) من حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي ﵁. والحديث عند مسلم في «صحيحه» (١٧٢٤) دون قول ابن وهب.