امرأة، تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله»، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فقال النبي ﷺ: «لو قال: إن شاء الله لقاتَلُوا في سبيل الله١ أجمعون»٢، وفي لفظ: «لكان دركًا لحاجته»٣، فأخبر أن هذا الاستثناء لو وقع منه في هذه الحال لنفعه، ومن يشترط النية يقول: لا ينفعه.
ونظير هذا قوله ﷺ: «لأغزونَّ قريشًا، واللهِ لأغزون قريشًا» ثلاثًا ثم سكت ثم قال: «إن شاء الله»٤، فهذا استثناء بعد سكوت، وهو يتضمن٥ إنشاء الاستثناء بعد الفراغ من الكلام والسكوت عليه. وقد نصَّ أحمد٦ على جوازه، وهو الصواب بلا ريب، والمصيرُ إلى موجَب هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة أولى. وبالله التوفيق.
(١) زِيد في هامش النسختين ز، س: «فُرسانًا»، وهو في «الصحيحين».
(٢) أخرجه البخاري (٢٨١٩، ٦٦٣٩) ومسلم (١٦٥٤/ ٢٥) من حديث الأعرج عن أبي هريرة ﵁ بنحوه.
(٣) أخرجه البخاري (٦٧٢٠) ومسلم (١٦٥٤/ ٢٣، ٢٤) من حديث طاوس عن أبي هريرة ﵁ بنحوه.
(٤) أخرجه أبو يعلى (٢٦٧٤، ٢٦٧٥) وابن حبان (٤٣٤٣) والطبراني في «الكبير» (١١/ ٢٨٢) و«الأوسط» (١٠٠٤) من طرق عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس مسندًا. وإسناده ضعيف لأن سماكًا وإن كان صدوقًا إلا أنه مضطرب في الرواية عن عكرمة خاصةً، وقد اختلف عليه في هذا الحديث وصلًا وإرسالًا، فقد أخرجه عبد الرزاق (١١٣٠٦) وأبو داود (٣٢٨٥، ٣٢٨٦) عنه عن عكرمة مرسلًا. قال أبو حاتم: «وهو أشبه». «العلل» لابنه (١٣٢٢).
(٥) ص، ز، د: «متضمن».
(٦) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٨٥).
فصل
وفي القصة: أن رجلًا من الصحابة يقال له أبو شاه قام فقال: اكتبوا لي، فقال النبي ﷺ: «اكتبوا لأبي شاه»١ يريد خطبته، ففيه دليل على كتابة العلم ونسخ النهي عن كتابة الحديث، فإن النبي ﷺ قال: «من كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحُه»٢، وهذا كان في أول الإسلام خشيةَ أن يختلط الوحيُ الذي يتلى بالوحي الذي لا يتلى، ثم أذن في الكتابة لحديثه.
وصحَّ عن عبد الله بن عمرو أنه كان يكتب حديثَه٣، وكان مما كتبه صحيفة تسمى «الصادقة»٤، وهي التي رواها حفيده عمرو بن شعيب عن أبيه عنه٥، وهي من أصح الأحاديث، وكان بعض أئمة الحديث يجعلها في
(١) كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه.
(٢) أخرجه مسلم (٣٠٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري. والحديث قد أعلّه بعض الأئمة كالبخاري وأبي داود بالوقف، قالوا: الصواب أنه من قول أبي سعيد موقوفًا عليه غير مرفوع إلى النبي ﷺ. انظر: «تقييد العلم» للخطيب (ص ٣٦ - ٣٨) و«تحفة الأشراف» (٣/ ٤٠٨) و«فتح الباري» (١/ ٢٠٨).
(٣) صحَّ ذلك من حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري (١١٣)، ومن حديث عبد الله بن عمرو نفسِه عند أحمد (٦٥١٠، ٦٩٣٠) وأبي داود (٣٦٤٦) والدارمي (٥٠١) وابن خزيمة (٢٢٨٠) والحاكم (١/ ١٠٤ - ١٠٦) من طرق عنه.
(٤) كما أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢) والدارمي (٥١٣) والخطيب في «تقييد العلم» (ص ٨٤، ٨٥) من طرق بعضها صحيح.
(٥) لم أجد ما يدل على أن الصحيفة التي رواها عمرو بن شعيب هي «الصادقة» بعينها، فإنها لو كانت كذلك لما اختلف أئمة الحديث في صحتها والاحتجاج بها، والله أعلم.