الاقتصار على نهي النبي ﷺ عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر؛ هذه رواية ابن عيينة عن الزهري١. قال قاسم بن أصبغ: قال سفيان بن عيينة: «يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر لا عن نكاح المتعة»، ذكره أبو عمر في٢ «التمهيد»٣ ثم قال: «على هذا أكثر الناس» انتهى، فتوهم بعض الرواة أن يوم خيبر ظرف لتحريمهن فرواه: «حرم رسول الله ﷺ المتعة زمن خيبر والحمر الأهلية»، واقتصر بعضهم على رواية بعض الحديث فقال: «حرَّم رسول الله ﷺ المتعة زمن خيبر»٤، فجاء بالغلط البيِّن.
فإن قيل: فأي فائدة في الجمع بين التحريمين إذا لم يكونا قد وقعا في وقت واحد، وأين المتعة من تحريم الحمر؟
قيل: هذا الحديث رواه علي بن أبي طالب محتجًّا به على ابن عمه عبد الله بن عباس في المسألتين، فإنه كان يبيح المتعة ولحوم الحمر، فناظره عليُّ بن أبي طالب في المسألتين وروى له التحريمين، وقيَّد تحريم الحمر بزمن خيبر وأطلق تحريم المتعة، فقال: «إنك امرؤ تائه؛ إن رسول الله ﷺ
(١) أخرجها الحميدي (٣٧) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في «التمهيد» (١٠/ ١٠٢) ــ وأحمد (٥٩٢) والترمذي (١١٢١) والنسائي (٤٣٣٤).
(٢) المطبوع: «وفي ...» جملة مستأنفة، وهو خطأ مخالف للأصول.
(٣) (١٠/ ١٠١ - ١٠٢)، وقاسم بن أصبغ إنما أسند قول سفيان عن محمد بن إسماعيل الترمذي عن الحميدي عنه، وهو في «مسند الحميدي» عقب الحديث (٣٧) بلفظ: «... لا يعني نكاح المتعة» إلا أن «لا» سقطت من مطبوعة «التمهيد».
(٤) كما في رواية عند النسائي (٣٣٦٧).
حرم المتعة، وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر»١، كما قاله سفيان بن عيينة وعليه أكثر الناس، فروى الأمرين محتجًّا عليه بهما، لا مقيدًا لهما بيوم خيبر، والله الموفق.
ولكن هاهنا نظر آخر، وهو: أنه هل حرَّمها تحريمَ الفواحش التي لا تباح بحال، أو حرَّمها عند الاستغناء عنها وأباحها للمضطر؟ هذا هو الذي نظر فيه ابن عباس وقال: «أنا أبحتُها للمضطر كالميتة والدم»٢، فلما توسَّع فيها مَن توسع ولم يقف عند الضرورة أمسك ابن عباس عن الإفتاء بحلِّها ورجع عنه.
وقد كان ابن مسعود يرى إباحتها ويقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾[المائدة: ٨٧]، ففي «الصحيحين»٣ عنه قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا نساء فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾.
وقراءة عبد الله هذه الآية عقيب هذا الحديث يحتمل أمرين:
أحدهما: الرد على من يحرمها، وأنها لو لم تكن من الطيبات لما أباحها رسول الله ﷺ.
والثاني: أن يكون أراد آخِر الآية، وهو الرد على من أباحها مطلقًا، وأنه
(١) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٢٠٢) من طريق سفيان بن عيينة.