ينبغي لنبيٍّ أن تكون له خائنة الأعين»١؛ فهذا كان قد تغلظ كفره بردَّته بعد إيمانه وهجرته وكتابة الوحي، ثم ارتد ولحق بالمشركين يطعن على الإسلام ويعيبه، وكان رسول الله ﷺ يريد قتله، فلما جاء به عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة لم يأمر رسول الله ﷺ بقتله حياءً من عثمان ولم يبايعه ليقوم إليه بعض أصحابه فيقتلَه، فهابوا رسول الله ﷺ أن يُقْدموا على قتله بغير إذنه، واستحيى رسول الله ﷺ من عثمان، وساعد القدر السابق لِما يريد الله سبحانه بعبد الله مما ظهر منه بعد ذلك من الفتوح٢،
وقولُه ﷺ: «ما ينبغي لنبيٍّ أن تكون له خائنة الأعين»، أي: أن النبي ﷺ لا يخالف ظاهرُه باطنَه، ولا سرُّه علانيته، وإذا نفذ حكمَ الله وأمره لم يُومِ٣ به، بل صرَّح به وأعلنه وأظهره.
(١) أخرجه أبو داود (٢٦٨٣، ٤٣٥٩) والنسائي (٤٠٦٧) والحاكم (٣/ ٤٥) والضياء في «المختارة» (٣/ ٢٤٨ - ٢٥١) من حديث سعد بن أبي وقاص بنحوه، وإسناده حسن. ولبعضه شاهد من حديث ابن عباس عند أبي داود (٤٣٥٨) والنسائي (٤٠٦٩) والحاكم (٣/ ٤٥) والضياء (١٢/ ٢٩٥) بإسناد حسن.
(٢) فُتحت إفريقيَّةُ ــ وتسمى «تونس» اليوم ــ على يده في أيام عثمان ﵁ ..
(٣) كذا في الأصول، مِن: أومَى يُومِي، لغة في أومأَ يومئُ.
فصل
في غزاة حنين
وتُسمَّى «غزوةَ أوطاس»، وهما موضعان بين مكة والطائف١، فسميت الغزوة باسم مكانها، وتسمى «غزوة هوازن» لأنهم الذين أتوا لقتال رسول الله ﷺ.
قال ابن إسحاق٢: ولما سمعت هوازن برسول الله ﷺ وما فتح الله عليه من مكة جمع مالكُ بن عوفٍ النَّصْري فاجتمع إليه مع هوازنَ ثقيفٌ كلها، واجتمعت إليه نَصْر٣ وجُشَم كلُّها وسعد بن بكر، وناسٌ من بني
(١) أما حُنين فيقع على قرابة ٣٠ كيلًا إذا خرجت من مكة إلى الطائف على طريق اليمانية، وهو معروف اليوم بـ «الشرائع». وأما أوطاس فوادٍ لهوازن، وهو بعيد عن حنين، وإنما يقع بقرب بلدة عُشيرة التي تقع شمال مدينة الطائف على قرابة ٥٠ كيلًا، ومعركة حُنين لم تقع فيه، وإنما انحازت إليه هوازن بعد الهزيمة فطاردهم المسلمون حتى أوقعوا بهم فيه، كما سيأتي. انظر: «المعالم الجغرافية في السيرة» (ص ٣٤، ١٠٧) و«معالم مكة التاريخية» (ص ٨٧) كلاهما لعاتق بن غيث البلادي.
(٢) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٣٧)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٨٧). وابن إسحاق يروي خبر الغزاة عن عدد من شيوخه ــ كما جاء مصرَّحًا في «الدلائل» (٥/ ١٢٠) من رواية يونس بن بُكير عنه ــ، فبعضه يرويه ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه، وبعضه عن الزهري وعمرو بن شعيب وعبد الله بن أبي بكر الحزمي مرسلًا، وقد اجتمع حديثُهم في سياق واحدٍ وقد حدّث بعضهم ما لم يحدّث به بعض.
(٣) في الأصول والمطبوع: «مُضَر»، وهو تحريف مخالف لمصدر النقل، فإن المذكورة هنا كُلُّها بطون هوازن. فـ «نصر» هم بنو نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن، و«جُشَم» هو ابن معاوية بن بكر بن هوازن. و«سعد بن بكر» هو ابن هوازن، و«هلال» هو ابن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. انظر: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (ص ٢٦٩، ٤٨١، ٤٨٢).