هلال وهم قليل، ولم يشهدها من قَيسِ عَيلان إلا هؤلاء، ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كِلاب.
وفي جُشَم دريدُ بن الصِّمَّة، شيخ كبير ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب، وكان شجاعًا مِحْرَبًا١. وفي ثقيف سيِّدان لهم، وفي٢ الأحلاف: قارِب بن الأسود، وفي بني مالك: سُبَيع بن الحارث وأخوه أحمر بن الحارث. وجِماعُ أمرِ الناس إلى مالك بن عوف النصري.
فلما أجمع السيرَ إلى رسول الله ﷺ ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دُرَيد بن الصمة، فلما نزل قال: بأيِّ وادٍ أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نِعم مَجالُ الخيل، لا حَزْن ضِرْس٣ ولا سَهل دَهْس، ما لي أسمع رُغاء البعير ونُهاق الحمير وبُكاء
(١) في عامة الأصول والمطبوع: «مجرّبًا»، وكذا في مطبوعة «سيرة ابن هشام»، ولعل المثبت من «عيون الأثر» هو الصواب. والمِحْرَب: الشجاع الخبير بالحرب.
(٢) «وفي» هكذا في الأصول و«عيون الأثر» ومطبوعة «سيرة ابن هشام» (والظاهر من تعليق المحققين أن الواو لم تكن في نسخه الخطية التي بين أيديهم)، والصواب إسقاط الواو كما في «جوامع السيرة» لابن حزم (ص ٢٣٦) أو إبدال الفاء بها: «ففي»، وذلك لأن الأحلاف وبني سعد هما بطنا ثقيف، ويوضحه لفظ ابن عبد البر في «الدرر» (ص ٢٣٧): «وكان في ثقيف سيدان: أحدهما قارب بن الأسود بن مسعود بن مُعتِّب من الأحلاف، والآخر ذو الخِمار سبيع بن الحارث بن مالك».
(٣) الضِّرس: ما خشُن من الأرض، كأنها مُضرَّسة.
الصغير ويُعار الشاء؟ قالوا: ساقَ مالكُ بن عوف مع الناس نساءهم وأموالهم وأبناءهم، قال: أين مالك؟ قيل: هذا مالك ــ ودُعِي له ــ، قال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يومٌ كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رُغاء البعير ونُهاق الحمير وبكاء الصغير ويُعار الشاء؟ قال: سقتُ مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قال: ولِمَ؟ قال: أردت أن أجعل خلف كلِّ رجلٍ أهلَه وماله ليقاتل عنهم، فقال: راعي ضأنٍ والله! وهل يردُّ المنهزم شيء؟! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فُضِحت في أهلك ومالك.
ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحَدُّ والجَدُّ، لو كان يومَ علاءٍ ورِفعة لم تَغِب عنه كعب ولا كلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر١، قال: ذانك الجَذَعان من عامر لا ينفعان ولا يضران! يا مالك: إنك لم تصنع بتقديم البيضةِ بيضةِ هوازنَ إلى نحور الخيل شيئًا، ارفعهم إلى مُتمنِّع بلادِهم وعَلياء قومهم، ثم القَ الصُّباة على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك مَن وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك، قال: والله لا أفعل، إنك قد كبِرتَ وكبِر عقلك، والله لتُطِيعُنِّي يا معشر هوازن أو لأتكئنَّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري! وكره أن يكون لدُرَيدٍ فيها ذِكرٌ ورأي، فقالوا: أطعناك، فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني.
(١) بطنان من هوازن، هما ابنَي عامر بن ربيعة بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. انظر: «جمهرة أنساب العرب» (ص ٤٨٣).