ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جُفُونَ سيوفكم ثم شُدُّوا شدةَ رجلٍ واحد، وبعث عيونًا من رجاله فأتوه وقد تفرَّقت أوصالُهم، قال: ويلكم ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالًا بيضًا على خيل بُلْقٍ، والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى فواللهِ ما ردَّه ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.
ولمَّا سمع بهم نبي الله ﷺ بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد فدخل فيهم حتى سمع وعلم ما قد جمعوا له من حرب رسول الله ﷺ، وسمع من مالكٍ وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر٢.
فلما أجمع رسول الله ﷺ السير إلى هوازن ذُكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعًا وسلاحًا، فأرسل إليه ــ وهو يومئذ مشرك٣ ــ فقال: «يا أبا أمية، أعِرْنا سلاحَك هذا نلقى فيه عدوَّنا غدًا»، فقال صفوان: أغَصْبًا يا محمد؟
(١) الخَبَب والوَضْع: ضربان من المشي السريع والعَدْو. وطفاء الزَّمع: أي فرس طويلةُ شعرِ الزَّمَعِ، والزَّمَعة ــ ويقال لها الثُّنَّة ــ: الشعر المُدَلَّى من رُسغ الدابة في مؤخر الرجل، يُحمَد في الفَرَس وفوره وطوله. والصَّدَع: الفتيُّ الشابُّ القويّ من الأوعال والظباء.
(٢) خبر إرسال النبي ﷺ ابن أبي حدرد عينًا ذكره أيضًا عروة بن الزبير (في رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه) وموسى بن عقبة في مغازيهما، كما في «دلائل النبوة» للبيهقي (٥/ ١٢٩).
(٣) وهو يومئذ في مدة الخيار الذي جعل له النبي ﷺ بعد الفتح، وقد سبق (ص ٥٠٥).
فقال: «بل هي عارية مضمونة حتى نؤديها إليك»، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درعٍ بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله ﷺ سأله أن يكفيهم حملها ففعل١.
(١) هذا لفظ ابن إسحاق فيما حدّث به عن شيوخه. وله شواهد تعضده، منها: - حديث صفوان نفسه عند أحمد (١٥٣٠٢) وأبي داود (٣٥٦٢) والنسائي في «الكبرى» (٥٧٤٧) والحاكم (٢/ ٤٧) بإسناد ضعيف فيه شريك بن عبد الله النخعي، وقد خالفه غيره فرواه عن أناس من آل صفوان ــ أو من آل عبد الله بن صفوان ــ مرسلًا، كما عند ابن أبي شيبة (٢٠٩٣٥) وأبي داود (٣٥٦٣، ٣٥٦٤) والبيهقي في «السنن» (٦/ ٨٩) وليس فيه وصف العارية بكونها مضمونة. - وشاهد من مرسل محمد الباقر عند الطبراني في «الأوسط» (١٦٣٣) والبيهقي (٦/ ٨٩)، ولفظه: «بل عارية مضمونة». - وشاهدان من حديث ابن عباس وعبد الله بن عمرو بإسنادين ضعيفين، وفيهما وصف العارية بالمؤداة، وسيأتي تخريجهما لاحقًا في فصل ما يستفاد من الغزوة من المسائل الفقهية (ص ٥٩٩). - وشاهد من حديث يعلى بن أمية ــ وهو ابن مُنية ــ بإسناد صحيح، إلا أنه هو صاحب القصة فيه بدل صفوان بن أمية الجمحي، وفيه أيضًا وصفها بالمؤداة، وسيأتي تخريجه لاحقًا. تنبيه: أخرج الحاكم (٣/ ٤٨ - ٤٩) هذا الحديث مع بعض أحداث الغزوة مُسنَدًا كلُّه من طريق يونس بن بُكير عن ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه. والذي يظهر ــ والله أعلم ــ أنه وهم، لأن في رواية يونس بن بكير لم يميِّز ابنُ إسحاق بين ما رواه بهذا الإسناد المتصل وبين ما رواه بأسانيد أخرى مرسلة ذكرها معه، بل جمع حديثهم في سياق واحد، كما في «الدلائل» (٥/ ١٢٠) من طريق الحاكم نفسه ــ وقد سبق ذكره في الهامش (ص ٥٧٥) ــ، وعليه فسياق الخبر كلِّه بالإسناد المتصِّل خطأ، والله أعلم.