زاد المعاد

رجل من هوازن١.

وذكر ابن سعد٢ عن شيبةَ بن عثمان الحَجَبي قال: لما كان عام الفتح ودخل٣ رسول الله ﷺ مكة عنوةً قلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين فعسى إن اختلطوا أن أُصِيب من محمد غِرَّةً فأثأَرَ منه، فأكون أنا الذي قمتُ بثأر قريشٍ كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتَّبع محمدًا ما تبعتُه أبدًا، وكنت مُرصِدًا لِما خرجتُ له٤، لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوةً، فلما اختلط الناس اقتحم رسولُ الله ﷺ عن بغلته وأصلتَ السيفَ، فدنوت أريد ما أريد منه ورفعت سيفي حتى كِدت أُشعِرُه٥ فرُفِع لي شُواظ من نار

  1. (١) قول كلدة وجواب صفوان إياه أسنده أبو يعلى (١٨٦٣) وابن حبان (٤٧٧٤) من حديث ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه. وهو إسناد حسن كما سبق.
  2. (٢) في «الطبقات» (٦/ ٦٤) ــ ومنه في مصدر المؤلف «عيون الأثر» (٢/ ١٩٠) ــ من طريق شيخه الواقدي، وفي باقي رجال الإسناد أيضًا من هو ضعيف أو مجهول. وله شاهد عند الطبراني في «الكبير» (٧/ ٢٩٩) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ١٤٥) من حديث أبي بكر الهذلي عن عكرمة مرسلًا، ولكن إسناده واهٍ فإن أبا بكر الهُذلي متروك الحديث مع كونه أخباريًّا عالمًا بأيام الناس. وذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٤٥) ــ مختصرًا بلا إسناد. وانظر «الإصابة» (٥/ ١٦٠).
    وقد روي عن عثمان بن شيبة ما يخالف ذلك وأنّه إنما خرج أنفةً أن تظهر هوازن على قريش. أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ١٤٦) بإسناد ضعيف.
  3. (٣) سقطت واو العطف من المطبوع فصار «دخل» جواب «لمَّا»، وإنما جوابه: «قلت» الآتي.
  4. (٤) أي: متهيِّئًا ومُعِدًّا له.
  5. (٥) أي حتى كدتُ أضربه بالسيف فأدميه، فالإشعار: الإدماء بطعنٍ أو رمي أو وجءٍ بحديدة. في «الطبقات» و«عيون الأثر»: «حتى كدتُ أسوِّرُه» أي: أعلُوه بالسيف ..
582

كالبرق كاد يَمحَشُني، فوضعت يديَّ على بصري خوفًا عليه، فالتفت إلي رسول الله ﷺ فناداني: «يا شيبُ ادْنُ»، فدنوت فمسح صدري ثم قال: «اللهم أعِذه من الشيطان»، قال: فوالله لهو كان ساعتئذ أحبَّ إليَّ من سمعي وبصري ونفسي، وأذهبَ اللهُ ما كان في نفسي، ثم قال: «ادنُ فقاتِل»، فتقدَّمت أمامَه أضرب بسيفي، اللهُ يعلم أني أحبُّ أن أقيَه بنفسي كلَّ شيء، ولو لقيت تلك الساعة أبي ــ لو كان حيًّا ــ لأوقعتُ به السيف، فجعلت أَلزَمه فيمن لزمه، حتى تراجع المسلمون فكَرُّوا كرةَ رجلٍ واحد وقُرِّبت بغلةُ رسول الله ﷺ فاستوى عليها وخرج في أثرهم حتى تفرَّقوا في كل وجه، ورجع إلى معسكره فدخل خباءه فدخلت عليه ــ ما دخل عليه غيري ــ حُبًّا لرؤية وجهه وسرورًا به، فقال: «يا شيبُ، الذي أراد الله بك خير مما أردت لنفسك»، ثم حدَّثني بكل ما أضمرت في نفسي ما لم أكن أذكره لأحد قطُّ، قال: فقلت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم قلت: استغفِرْ لي، فقال: «غفر الله لك».

وقال ابن إسحاق١: وحدثني الزهري عن كثير بن العباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: إني لمع رسولِ الله ﷺ آخِذٌ بحَكَمة بغلته البيضاء قد شَجَرتُها بها٢، وكنت امرءًا جسيمًا شديد الصوت، قال: ورسولُ الله ﷺ يقول حين رأى ما رأى من الناس: «إلى أين أيها الناس؟» قال: فلم أر

  1. (١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٤٤) و«عيون الأثر» (٢/ ١٩١). والحديث مخرَّج في «صحيح مسلم» (١٧٧٥) من طريق يونس ومعمر وابن عيينة، ثلاثتهم عن الزهري به بنحوه.
  2. (٢) أي كففتُها وكبحتُها بالحَكَمة، وهي اللِّجام.
583

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي