زاد المعاد

استقبل بها وجوههم فقال: «شاهت١ الوجوه»، فما خلق اللهُ منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة فولَّوا مدبرين.

وذكر ابن إسحاق٢ عن جبير بن مطعم قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناسُ يقتتلون مثلَ البِجادِ الأسود٣ أقبلَ من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، فلم يكن إلا هزيمةُ القوم، فلم أشك أنها الملائكة.

قال ابن إسحاق٤: ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضُهم بأوطاس وتوجه بعضُهم نحو نخلةَ، وبعث رسول الله ﷺ في آثار من توجه قِبَل أوطاسٍ أبا عامر الأشعري، فأدرك من الناس بعضَ من انهزم فناوشوه القتال فرُمِي بسهمٍ فقُتِل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري ــ وهو ابن عمِّه٥ ــ فقاتل ففتح الله عليه وهزمهم الله، وقَتَل قاتِلَ أبي عامر،

  1. (١) هامش ف بخط الناسخ: «أي: قَبُحت».
  2. (٢) عن أبيه إسحاق بن يسار أنَّه حُدِّث عن جبير بن مطعم. «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٤٩) و«عيون الأثر» (٢/ ١٩٢). وأخرجه الواقدي (٣/ ٩٠٥) من طريق سعيد بن محمد بن جبير بن مُطعم عن أبيه عن جدّه بنحوه، وأخرج أيضًا بإسناده عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة عن شيوخ مِن قومه من الأنصار نحوه.
  3. (٣) البجاد: كساء يُعمل من صوف أو وبر. وفي رواية الواقدي: مثل الظُّلَّة السوداء.
  4. (٤) «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٥٣ - ٤٥٥) إلى قوله: «ففتح الله عليه وهزمهم»، وما بعده ففي «طبقات ابن سعد» (٢/ ١٤٠) بنحوه. والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٩٢). والخبر مخرَّج في البخاري (٤٣٢٣) ومسلم (٢٤٩٨) من حديث أبي موسى مطولًا.
  5. (٥) كذا في جميع الأصول والطبعة الهندية و«سيرة ابن هشام» و«عيون الأثر»، وهو وهم، فإن أبا موسى ابن أخيه كما هو منصوص في كتب التراجم وغيرها، وأيضًا ففي الحديث المتفق عليه أن أبا موسى سأله حين رُمي بسهم فقال: «يا عمِّ مَن رماك؟». وقد أُثبت الصواب في طبعة الرسالة دون تنبيه.
585

فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اغفر لأبي عامر واجعله يومَ القيامة فوقَ كثيرٍ من خلقك» واستغفر لأبي موسى.

ومضى مالك بن عوف١ حتى تحصَّن بحصن ثقيف، وأمر رسول الله ﷺ بالسبي والغنائم أن تجمع، فجُمع ذلك كله وحَدَوه٢ إلى الجِعرانة، وكان السبي ستةَ آلاف رأسٍ، والإبلُ أربعةٌ وعشرون٣ ألفًا، والغنمُ أكثرُ مِن أربعين ألفَ شاةٍ، وأربعةُ آلافِ أوقيةٍ فضةً، فاستأنى بهم رسولُ الله ﷺ أن يَقْدَموا عليه مسلمين بضعَ عشرة ليلةً.

ثم بدأ بالأموال فقسمها، وأعطى المؤلفةَ قلوبُهم أولَ الناس، فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقيةً ومائةً من الإبل، فقال: ابني يزيد؟ قال: «أعطُوه أربعين أوقيةً ومائةً من الإبل»، قال: ابني معاوية؟ قال: «أعطوه أربعين أوقيةً ومائةً من الإبل»٤.

  1. (١) في جميع الأصول: «عوف بن مالك»، سبق قلم، وقد تقدّم على الصواب غير مرّة.
  2. (٢) أي: ساقُوه. وفي «طبقات ابن سعد» و«عيون الأثر»: «حَدَرُوه» أي: أنزلوه.
  3. (٣) المطبوع: «وعشرين» بالنصب. والمثبت من الأصول صواب.
  4. (٤) كذا ذكره ابن سعد (٢/ ١٤١) وشيخه الواقدي في «مغازيه» (٣/ ٩٤٥). وذكر ابن إسحاق أيضًا ــ كما في «الدلائل» (٥/ ١٨٢) ــ أبا سفيان ومعاوية من أصحاب المئين، ولم يذكر منهم يزيد. وفي «صحيح مسلم» (١٠٦٠) من حديث رافع بن خديج قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كلَّ إنسان منهم مائةً من الإبل ...» فلم يذكر يزيد ولا معاوية. وقال الذهبي مشكِّكًا في عطاء معاوية: «لو كان أعطاه لما قال عندما خطب فاطمة بنت قيس: أما معاوية فصعلوك لا مال له». «سير أعلام النبلاء» (٣/ ١٢٢).
586

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي