لها رداءه وأجلسها عليه، وخيَّرها وقال: «إن أحببتِ١ فعندي محبَّبةً مكرَّمةً، وإن أحببتِ أن أمتِّعَك وترجعي إلى قومك؟» قالت: بل تمتعُني وتردُّني٢ إلى قومي، ففعل، فزعمت بنو سعدٍ أنه أعطاها غلامًا يقال له مكحول وجاريةً، فزوَّجت إحداهما من الآخر، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية٣.
وقال أبو عمر٤: فأسلمت فأعطاها رسول الله ﷺ ثلاثةَ أعبدٍ وجاريةً ونعمًا وشاءً. وسمَّاها٥: حُذافة، قال: والشيماء لقب.
فصل
وقدم وفدُ هوازن على رسول الله ﷺ وهم أربعة عشر رجلًا ورأسهم زُهَير بن صُرَد، وفيهم أبو برقان عمُّ رسول الله ﷺ من الرضاعة، فسألوه أن يمن عليهم بالسَّبْيِ والأموال، فقال: «إن معي من ترون، وإن أحبَّ الحديث إلي أصدقُه، فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟» قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئًا، فقال: «إذا صليتُ الغداة فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول
(١) زِيد في المطبوع بعده: «الإقامة» وليس في شيء من الأصول ولا في مصادر التخريج.
(٢) ص، ز، د: «متِّعْني ورُدَّني».
(٣) قدوم شيماء ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٥٨) وابن أبي الدنيا في «مكارم الأخلاق» (٤٠٦) ــ عن يزيد بن عبيد السعدي مرسلًا. وذكر الواقدي في «مغازيه» (٣/ ٩١٣) نحوه عن شيوخه. وللخبر شاهد من مرسل قتادة عند البيهقي في «الدلائل» (٥/ ١٩٩) بإسناد ضعيف.
(٤) ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٤/ ١٨٧٠ - ١٨٧١)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٩٥). وما ذكره ابن عبد البر هو لفظ رواية الواقدي.
(٥) أي ابنُ عبد البر، ومِن قبله ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ١٦٠). و«حذافة» تصحف في جميع الأصول عدا ن إلى «حذامة».
الله ﷺ إلى المؤمنين ونستشفع بالمؤمنين إلى رسول الله ﷺ أن يَرُدَّ١ علينا سبينا» فلما صلى الغداة قاموا فقالوا ذلك، فقال رسول الله ﷺ: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأسأل لكم الناس»، فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميمٍ فلا، وقال عُيَينة بن حِصن: أما أنا وبنو فَزارةَ فلا، وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت٢ بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ، فقال العباس بن مرداس: وهَّنتموني، فقال رسول الله ﷺ: «إن هؤلاء القوم قد جاؤوا مسلمين، وقد كنت استأنيتُ بسبيهم، وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئًا، فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه بأن يرده فسبيل٣ ذلك، ومن أحب أن يستمسك بحقِّه فليردَّ عليهم وله بكل فريضة ستُّ فرائض مِن أول ما يفيء الله علينا»، فقال الناس: قد طيبنا لرسول الله ﷺ، فقال: «إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرضَ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمرَكم»، فردُّوا عليهم نساءَهم وأبناءهم ولم يتخلف منهم أحدٌ غير عُيَينة بن حصنٍ، فإنه أبى أن يرد عجوزًا صارت في يديه منهم، ثم ردَّها بعد ذلك، وكسا رسول الله ﷺ السَّبْيَ قِبطيةً قبطيةً٤.
(١) ص، ز، د: «أن يردُّوا».
(٢) ص، ز، د: «فقال».
(٣) ص، ز، د: «في سبيل»، خطأ ..
(٤) خبر وفد هوازن ملَّفق من ثلاث روايات: حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم عند البخاري (٤٣١٨)، ورواية ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عند ابن هشام في «السيرة» (٢/ ٤٨٩) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ١٩٤)، ورواية ابن سعد في «طبقاته» (٢/ ١٤١ - ١٤٢) وعنه ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٢/ ١٩٥).