زاد المعاد

والكلمات الطيِّبات للطيِّبين. وفُسِّرت بأن النساء الطيِّبات للرجال الطيِّبين، والنساء الخبيثات للرجال الخبيثين١. وهي تعُمُّ ذلك وغيره، فالكلمات والأعمال والنساء الطيِّبات لمناسبها من الطيِّبين، والكلمات والأعمال والنساء الخبيثة٢ لمناسبها من الخبيثين.

والله سبحانه جعل الطيِّبَ بحذافيره في الجنة، وجعل الخبيثَ بحذافيره في النار. فجعل الدور ثلاثةً: دارًا٣ أُخلِصت للطيِّب، وهي حرام على غير الطيِّبين، وقد جمَعت كلَّ طيِّب، وهي الجنة. ودارٌ٤ أُخلِصت للخبيث والخبائث ولا يدخلها إلا الخبيثون، وهي النار. ودارٌ مُزِج فيها الطيِّب والخبيث وخُلِط بينهما، وهي هذه الدار٥. ولهذا وقع الابتلاء والمحنة بسبب هذا الامتزاج والاختلاط، وذلك موجَبُ الحكمة الإلهية. فإذا كان يوم معاد الخليقة ميَّز الله الخبيث من الطيِّب، فجعل الطيِّبَ وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم؛ وجعل الخبيثَ وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، فعاد الأمر إلى٦ دارين فقط: الجنة وهي دار الطيبين، والنار وهي دار الخبيثين. وأنشأ الله سبحانه من أعمال الفريقين ثوابهم وعقابهم، فجعل طيِّبات أقوال هؤلاء وأعمالهم وأخلاقهم هي عين نعيمهم ولذَّتهم، أنشأ لهم

  1. (١) انظر: «تفسير الطبري» (١٧/ ٢٣٣ - ٢٣٦).
  2. (٢) ج، ن: «الخبيثات».
  3. (٣) ع: «دارٌ».
  4. (٤) ص، مب: «ودارًا».
  5. (٥) وانظر: «شفاء العليل» (ص ٢٤٣ - ٢٤٤).
  6. (٦) ك: «على».
48

منها أكمل أسباب النعيم والسرور. وجعل خبيثات أقوال الآخرين وأعمالهم وأخلاقهم هي عين عذابهم وآلامهم، فأنشأ١ لهم منها أعظم أسباب العقاب٢ والآلام؛ حكمةً بالغةً وعزةً قاهرةً، ليُرِيَ عبادَه كمالَ ربوبيته وكمالَ حكمته وعلمه وعدله ورحمته، ولِيُعلِمَ أعداءه أنهم كانوا هم الكاذبين المفترين، لا رسلُه البررة الصادقون. قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٣٨ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا﴾ [النحل: ٣٨ - ٣٩].

والمقصود: أن الله تعالى جعل على السعادة والشقاوة عنوانًا يُعرَفان به. فالسعيد طيِّبٌ لا يليق به إلا طيِّب٣، ولا يأتي إلا طيِّبًا، ولا يصدر منه إلا طيِّب، ولا يلابس إلا طيِّبًا. والشقي خبيث لا يليق به إلا الخبيث، ولا يأتي إلا خبيثًا، ولا يصدر منه إلا الخبيث؛ فالخبيث يتفجَّر من قلبه على لسانه وجوارحه. والطيِّبُ يتفجَّر من قلبه الطيِّبُ٤ على لسانه وجوارحه. وقد يكون في الرجل مادتان فأيهما غلب عليه كان من أهلها. فإن أراد الله به خيرًا طهَّره من المادة الخبيثة قبل الموافاة، فيوافيه يوم اللقاء مطهَّرًا فلا يحتاج إلى تطهيره بالنار،

  1. (١) ك، ع: «وأنشأ».
  2. (٢) ج، ق: «العذاب».
  3. (٣) ك، ع: «الطيب»، وكذا أصلحه بعضهم في ج.
  4. (٤) في ج: «فالخُبْث» مضبوطًا، ولكن تلوح نقطتا الياء أيضًا بين الباء والثاء. والسياق في ص: «فالخُبْثُ ... والطِّيبُ يتفجَّر من قلب الطيِّب» كذا مضبوطًا. وكان في ن: «فالخبيث يتفجَّر من قلبه الخبثُ على ... قلبه الطِّيبُ» فغُيِّر إلى ما أثبت.
49

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي