زاد المعاد

حدهم، والثانية استفرغت قُواهم واستنفدت سهامهم وأذلَّت جميعَهم١ حتى لم يجدوا بُدًّا من الدخول في دين الله.

ومنها: أن الله سبحانه جبر بها أهل مكة وفرَّحهم بما نالوه من النصر والمغنم، فكانت كالدواء لِما نالهم مِن كسرهم وإن كان عينَ جبرهم، وعرَّفهم تمام نِعَمه عليهم بما صرف عنهم من شرِّ هوازن وأنَّه لم يكن لهم بهم طاقة، وإنما نُصِروا عليهم بالمسلمين، ولو أُفردوا عنهم لأكلهم عدوُّهم.

إلى غير ذلك من الحكم التي لا يحيط بها إلا الله.

فصل

وفيها من الفقه: أن الإمام ينبغي له أن يبعث العيون ومن يدخل بين عدوِّه ليأتيه بخبرهم، وأن الإمام إذا سمع بقصد عدوِّه له وفي جيشه قوَّةٌ ومنَعةٌ لا يقعد ينتظرهم، بل يسير إليهم كما سار رسول الله ﷺ إلى هوازن حتى لقيهم بحنين.

وفيها٢: أن الإمام له أن يستعير سلاح المشركين وعُدَّتهم لقتال عدوه، كما استعار النبي ﷺ أدراع صفوان وهو يومئذ مشرك.

ومنها: أن من تمام التوكل استعمال الأسباب التي نصبها الله لمسبَّباتها قدرًا وشرعًا، فإن رسول الله ﷺ وأصحابه أكملُ الخلق توكلًا وإنما كانوا يَلقَون عدوَّهم وهم متحصِّنون بأنواع السلاح.

ودخل رسولُ الله ﷺ مكة والبيضة على رأسه، وقد أنزل الله عليه:

  1. (١) المطبوع: «جمعَهم»، وهما بمعنى.
  2. (٢) س، المطبوع: «ومنها».
595

﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. وكثير ممن لا تحقيق عنده ولا رسوخ في العلم يستشكل هذا، ويتكايس في الجواب تارةً بأن هذا فَعله تعليمًا للأمة، وتارةً بأن هذا كان قبل نزول الآية.

ووقعت مسألة في مصر سأل عنها بعض الأمراء وقد ذُكِر له حديث ذكره أبو القاسم بن عساكر في «تاريخه الكبير»١ أن رسول الله ﷺ كان بعد أن أهدت له اليهودية الشاة المسمومة لا يأكل طعامًا قُدِّم له حتى يأكل منه مَن قدَّمه. قالوا: وفي هذا أسوة للملوك في ذلك، فقال قائل: كيف يُجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؟ فإذا كان الله سبحانه قد ضمن له العصمة، فهو يعلم أنه لا سبيل لبشر عليه٢. فأجاب بعضهم بأن هذا يدل على ضعف الحديث، وبعضهم بأن هذا كان قبل نزول الآية، فلما نزلت لم يكن ليفعل ذلك بعدها.

ولو تأمل هؤلاء أن ضمان الله له العصمة لا ينافي تعاطيه لأسبابها

  1. (١) «تاريخ دمشق» (٢٢/ ١٤٨)، وأخرجه أيضًا الخطيب في «تلخيص المتشابه» (١/ ٢٥٢)، من حديث عمّار بن ياسر، وإسناده واهٍ، فيه علي بن محمد الحَبيبي، قال فيه الدارقطني: ضعيف جدًّا، وكذَّبه أبو عبد الله الحاكم.
    وله شاهد من حديث عمر بن الخطاب عند الطبري في «تهذيب الآثار» (٢/ ٨٣٨) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٥٦٩) بإسناد ضعيف، وأخرجه البزار (١٤١٣) والبيهقي في «الشعب» (٥٦٥١) من الطريق نفسه إلا أن فيه عمار بن ياسر بدل عمر بن الخطاب. والحديث في إسناده ومتنه اختلاف كثير واضطراب، وليس في سائر طرقه ذكر موضع الشاهد. انظر: «تهذيب الآثار» (٢/ ٨٣٨ - ٨٤٥) و«علل الدارقطني» (٢٣٩، ٥١١، ١١١٩) و«أنيس الساري» (٣٣٩٩).
  2. (٢) النسخ المطبوعة: «إليه».
596

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي