زاد المعاد

أحدهما: أنه له بالشرع شرطه الإمام أو لم يشرطه، وهو قول الشافعي.

والثاني: أنه لا يستحق إلا بشرط الإمام وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك: لا يستحق إلا بشرط الإمام بعد القتال، فلو نصَّ قبله لم يَجُز. قال مالك: ولم يبلغني أن النبي ﷺ قال ذلك إلا يوم حنينٍ، وإنما نفل النبي ﷺ بعد أن برد القتال١.

ومأخذ النزاع أن النبي ﷺ كان هو الإمام والحاكم والمفتي وهو الرسول، فقد يقول الحكم بمنصب الرسالة فيكون شرعًا عامًّا إلى يوم القيامة كقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»٢، وقولِه: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته»٣، وكحكمه بالشاهد واليمين٤، وبالشفعة فيما لم يقسم٥.

  1. (١) انظر: «الإنصاف» (١٠/ ١٥١ - ١٥٢) و«الأم» (٥/ ٣٠٩) و«المدونة» (٣/ ٣١).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة ﵂.
  3. (٣) أخرجه أحمد (١٥٨٢١) وأبو داود (٣٤٠٣) والترمذي (١٣٦٦) وابن ماجه (٢٤٦٦) من حديث عطاء بن أبي رباح عن رافع بن خَدِيج. وقد ذكر الترمذي أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: «هو حديث حسن». وقد أعله بعض أهل العلم بأن عطاءً لم يلقَ رافعًا، ولكنّه لم يُسلَّم لهم ذلك، على أن الحديث قد روي من طريقين آخرين بنحوه. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٤٢٧) و«السنن الكبرى» للبيهقي (٦/ ١٣٦ - ١٣٧) و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ١٦٥) و«إرواء الغليل» للألباني (١٥١٩).
  4. (٤) أخرجه مسلم (١٧١٢) من حديث ابن عباس. وفي الباب عن أبي هريرة وجابر عند أصحاب السنن وغيرهم.
  5. (٥) أخرجه البخاري (٢٢١٣) ومسلم (١٦٠٨) من حديث جابر ﵁.
610

وقد يقوله بمنصب الفتوى، كقوله لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان وقد شكت إليه شُحَّ زوجها وأنه لا يعطيها ما يكفيها: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»١، فهذه٢ فتيا لا حكم، إذ لم يدعُ بأبي سفيان ولم يسأله عن جواب الدعوى ولا سألها البينة.

وقد يقوله بمنصب الإمامة، فيكون مصلحةً للأمة في ذلك الوقت وذلك المكان وعلى تلك الحال، فيلزم مَن بعده من الأئمة مراعاةُ ذلك على حسب المصلحة التي راعاها النبي ﷺ زمانًا ومكانًا وحالًا، ومن هاهنا تختلف الأئمة في كثير من المواضع التي فيها أثر عنه كقوله ﷺ: «من قتل قتيلًا فله سلبه» هل قاله بمنصب الإمامة فيكون حكمه متعلقًا بالأئمة، أو بمنصب الرسالة والنبوة فيكون شرعًا عامًّا؟

وكذلك قوله: «من أحيا أرضًا ميتةً فهي له»٣، هل هو شرع عام لكل أحدٍ أذن فيه الإمام أو لم يأذن، أو هو راجع إلى الأئمة فلا يملك بالإحياء إلا بإذن الإمام؟ على القولين، فالأول للشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهما، والثاني لأبي حنيفة، وفرق مالك بين الفلوات الواسعة وما لا يتشاحُّ فيه

  1. (١) أخرجه البخاري (٥٣٦٤) ومسلم (١٧١٤) من حديث عائشة ﵂.
  2. (٢) ص، د، س: «هذا».
  3. (٣) أخرجه أبو داود (٣٠٧٣) والترمذي (١٣٧٨) من حديث عروة عن سعيد بن زيد ﵁، ورجاله ثقات. وأخرجه البخاري (٢٣٣٥) من حديث عروة عن عائشة بلفظ: «من أعمر أرضًا ليست لأحدٍ فهو أحقُّ به». وقد رُوي الحديث عن عروة مرسلًا كما عند مالك (٢١٦٦) وأبي داود (٣٠٧٤) والنسائي في «الكبرى» (٥٧٢٨، ٥٧٣٠) والبيهقي (٦/ ١٤٢) وغيرهم من طرق عنه، وهو أصحّ كما قال الدارقطني في «العلل» (٦٦٥، ٣٤٦٠).
611

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي