فيطهِّره منها بما يوفِّقه له من التوبة النصوح، والحسنات الماحية، والمصائب المكفِّرة، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة. ويمسك عن الآخر موادَّ التطهير، فيلقاه يوم يلقاه بمادة خبيثة ومادة طيبة. وحكمته تعالى تأبى أن يجاوره أحد في داره بخبائثه١، فيدخله النار طُهرةً له وتصفيةً وسبكًا. فإذا خلصت سبيكة إيمانه من الخبث صلح حينئذ لجواره ومساكنة الطيِّبين من عباده. وإقامة هذا النوع من الناس في النار على حسب سرعة زوال تلك الخبائث منهم وبطئها، فأسرعُهم زوالًا وتطهُّرًا٢ أسرعُهم خروجًا، وأبطؤهم أبطؤهم٣، جزاءً وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد.
ولما كان المشرك خبيث العنصر خبيث الذات لم تطهِّر النار خبثه، بل لو خرج منها عاد٤ خبيثًا كما كان، كالكلب إذا دخل٥ البحر ثم خرج منه، فلذلك حرَّم الله عليه٦ الجنة. ولما كان المؤمن الطيِّب المطيَّب مبرَّأً من الخبائث كانت النار حرامًا عليه، إذ ليس فيه ما يقتضي تطهيره بها. فسبحان من بهرت حكمته العقول والألباب، وشهدت فِطَرُ عباده وعقولهم بأنه أحكم الحاكمين وربُّ العالمين٧.
(١) ك، ق: «بخباثته»، تصحيف.
(٢) ما عدا ص، ج: «تطهيرًا».
(٣) بعده في هامش ن زيادة: «خروجًا».
(٤) مب: «لعاد»، وكذا غيَّره بعضهم في ص.
(٥) ص: «أُدخِل».
(٦) مب، ن: «على المشرك»، وأشير إلى هذه النسخة في حاشية ص، ع.
(٧) بعده في هامش ن: «لا إله إلا هو».
فصل
ومن هاهنا يُعلم اضطرارُ العباد فوق كلِّ ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر؛ فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على يدَي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم. فالطيِّب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاؤوا به. فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميَّز أهل الهدى من أهل الضلال. فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها. فأيُّ ضرورة وحاجة فُرِضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير. وما ظنُّك بمن إذا غاب عنك هديُه وما جاء به طرفةَ عين فسد قلبك، وصار كالحوت إذا فارق الماء ووُضِع في المِقْلى. فحالُ العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسول كهذه الحال بل أعظم، ولكن لا يُحِسُّ بهذا إلا قلب حيّ، و«ما لجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ»١.
وإذا كانت سعادة الدارين معلّقةً بهدي النبي ﷺ فيجب على كلِّ من نصح نفسه وأحبَّ نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه. والناس في هذا بين مستقلٍّ ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله، يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
(١) عجز بيت لأبي الطيب في «ديوانه» (ص ٢٤٥)، وصدره: مَن يهُنْ يسهُلِ الهوانُ عليه