والثالث: أن الإمام إن استكثره خَمَسه وإن استقلَّه لم يَخمُسْه، وهو قول إسحاق١ وفَعله عمر بن الخطاب، فروى سعيد في «سننه»٢ عن ابن سيرين أن البراء بن مالك بارز مَرزُبانَ الزارة٣ بالبحرين فطعنه فدقَّ صلبه وأخذ سِوَارَيه وسلبه، فلما صلى عمر الظهر أتى البراءَ٤ في داره، فقال: «إنا كُنَّا لا نَخْمُس السَّلَب، وإن سلب البراء قد بلغ مالًا وأنا خامسه»، فكان أولُ سلب خُمِس في الإسلام سلبَ البراء، بلغ ثلاثين ألفًا.
والأول أصح، فإن رسول الله ﷺ لم يَخمُس السَّلَب وقال: هو له أجمع، ومضت على ذلك سنته وسنة الصديق بعدَه، وما رآه عمر اجتهاد أداه إليه رأيه.
فصل٥
والحديث يدل على أنه من أصل الغنيمة، فإن النبي ﷺ قضى به للقاتل ولم ينظر في قِيمته وقدرِه واعتبارِ خروجه من خُمس الخمس، وقال مالك٦: هو من خمس الخمس.
(١) كما في «مسائله» رواية الكوسج (٢/ ٣٤٢).
(٢) برقم (٢٧٠٨)، وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (٩٤٦٨) وابن أبي شيبة (٣٣٧٦٠، ٣٣٧٦١) والبيهقي (٦/ ٣١٠، ٣١١) بأسانيد صحيحة، وهو عند الأخيرين: عن ابن سيرين عن أنس. والبراء بن مالك أخو أنس.
(٣) في المطبوع: «مرزبان المرازبة»، وكذا في هامش ز مصدَّرًا بـ «لعله»، وهو خطأ. والزَّارَة: قرية بالبحرين، وهي اليوم تقع في محافظة القطيف بالمملكة العربية السعودية. والمرزبان: رئيس القوم عند الفُرس، وهو دون الملك.
(٤) في «السنن» وغيره: «أتى أبا طلحة»، وهو زوج أم سليم (أم البراء وأنس).
(٥) العنوان ساقط من المطبوع.
(٦) سبق (ص ٦٠٢) أن المشهور عنه أنه من جملة الخمس دون تحديد خمس الخمس.
ويدل على١ أنه يستحقه من يُسهَم له ومن لا يسهم له مِن صبيٍّ وامرأة وعبد ومشرك. وقال الشافعي٢ في أحد قوليه: لا يستحق السلب إلا من يستحق السهم، لأن السهم المُجمَع عليه إذا لم يستحقَّه العبد والصبي والمرأة والمشرك، فالسلب أولى. والأول أصح للعموم، ولأنه جارٍ مجرى قول الإمام: من فعل كذا٣ أو دل على حصنٍ أو جاء برأس فله كذا، مما فيه تحريض على الجهاد؛ والسهمُ مستحَقٌّ بالحضور وإن لم يكن منه فِعل، والسلب مستحَقٌّ بالفِعل فجرى مجرى الجِعالة.
فصل
وفيه دلالة على أنه يستحق سلبَ جميعِ من قتله وإن كثروا. وقد ذكر أبو داود٤ أن أبا طلحة قتل يومَ حنينٍ عشرين رجلًا فأخذ أسلابهم.
✽ ✽ ✽
(١) أي: والحديث يدل على أنه ... إلخ. وزِيد في هامش ف هنا: «ذلك» مصححًا عليه، فصار السياق: «ويدل على ذلك: أنه ...» إلخ، أي: ويدل على كونه مِن أصل الغنيمة أنه ... إلخ، فصارت جملةُ «أنه يستحقه ...» على هذا التقدير دليلًا على المسألة السابقة، وعلى ما في سائر النسخ هي مسألة أخرى دلَّ عليها الحديث، وهو الأظهر.