المسلمين جراحات، فقال رسول الله ﷺ: «إنا قافلون١ إن شاء الله»، فسُرُّوا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله ﷺ يضحك٢.
فلما ارتحلوا واستقلوا قال: «قولوا: آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون»٣.
وقيل: يا رسول الله، ادع الله على ثقيف، فقال: «اللهم اهْدِ ثقيفًا وائت بهم»٤.
(١) زيد في المطبوع بعده: «غدًا»، وليس في شيء من الأصول ولا في «الطبقات» و«عيون الأثر»، وإنما جاء ذلك في حديث ابن عمر عند البخاري الآتي تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٢٥، ٦٠٨٦، ٧٤٨٠) من حديث ابن عمر بنحوه، دون ذكر أن النبي ﷺ لم يؤذَن له في فتحها واستشارته نوفل الديلي، والأمران عند الواقدي (٣/ ٩٣٦ - ٩٣٧) بإسناد له عن أبي هريرة. وفي مغازي أبي الأسود عن عروة ــ كما في «الدلائل» (٥/ ١٦٩) ــ أن عمر قال للنبي ﷺ: ألا تدعو على أهل الطائف فتنهض إليهم لعل الله يفتحها، فإن أصحابك كثير وقد شقَّ عليهم الحبسُ ومنعُهم معايشَهم؟ فقال ﷺ: «لم يؤذَن لنا في قتالهم»، فلما رأى ذلك عمر قال: أفلا آمر الناس فلا يسرِّحوا ظهرهم حتى يرتحلوا بالغداة؟ قال: «بلى».
(٣) تفرّد به الواقدي وكاتبه (ابن سعدٍ) من هذا الوجه، وإلا فقد ثبت من حديث ابن عمر في «الصحيحين» أن النبي ﷺ كان يقول ذلك إذا قفل من غزوٍ أو حج أو عمرة، وقد سبق ذكره في فصل في هديه ﷺ في سفره (١/ ٥٨٧) وفصل في هديه ﷺ في أذكار السفر (٢/ ٥٢٠، ٥٢٦).
(٤) هنا انتهى نقل كلام ابن سعد. والحديث ذكره أيضًا ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٨٨) ــ دون إسناد. وأخرجه أحمد (١٤٧٠٢) والترمذي (٣٩٤٢) من حديث جابر دون قوله: «وائتِ بهم»، قال الترمذي: حديث حسن غريب. وفي مغازي أبي الأسود عن عروة أن النبي ﷺ دعا حين ركب قافلًا: «اللهم اهدِهم واكفِنا مؤونتهم».
واستشهد مع رسول الله ﷺ بالطائف جماعة١، ثم خرج رسول الله ﷺ عن الطائف إلى الجِعرانة٢، ثم دخل منها مُحرِمًا بعمرةٍ فقضى عمرتَه ثم رجع إلى المدينة٣.
فصل
قال ابن إسحاق٤: وقدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان وقدم عليه في ذلك الشهر وفدُ ثقيفٍ، وكان من حديثهم أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم اتَّبع أثره عروةُ بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله ﷺ ــ كما يتحدث قومه٥ ــ: «إنهم قاتلوك» وعرف رسول الله ﷺ أن فيهم نخوةَ الامتناع الذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله، أنا أَحبُّ إليهم مِن أبكارهم، وكان فيهم كذلك محبَّبًا مُطاعًا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على عِلِّيَّةٍ له٦ وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنَّبل من كلِّ وجه، فأصابه سهم
(١) هم اثنا عشر رجلًا ساق ابن إسحاق أسماءهم، كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٨٦) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٠٢).
(٢) وبها قسم غنائم حنين كما سبق.
(٣) كما في حديث أنس المتفق عليه، وقد سبق أن ذكره المؤلف (٢/ ١١٢).
(٤) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٣٧) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٢٨). وانظر خبر الوفد عند موسى بن عقبة كما في «دلائل النبوة» (٥/ ٢٩٩) ــ وسيسوق المؤلف لفظه في فصل الوفود (ص ٧٥٠) ــ، وعند الواقدي (٣/ ٩٦٠) وابن سعد (١/ ٢٧٠).