واستشهد مع رسول الله ﷺ بالطائف جماعة١، ثم خرج رسول الله ﷺ عن الطائف إلى الجِعرانة٢، ثم دخل منها مُحرِمًا بعمرةٍ فقضى عمرتَه ثم رجع إلى المدينة٣.
فصل
قال ابن إسحاق٤: وقدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان وقدم عليه في ذلك الشهر وفدُ ثقيفٍ، وكان من حديثهم أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم اتَّبع أثره عروةُ بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله ﷺ ــ كما يتحدث قومه٥ ــ: «إنهم قاتلوك» وعرف رسول الله ﷺ أن فيهم نخوةَ الامتناع الذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله، أنا أَحبُّ إليهم مِن أبكارهم، وكان فيهم كذلك محبَّبًا مُطاعًا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على عِلِّيَّةٍ له٦ وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنَّبل من كلِّ وجه، فأصابه سهم
(١) هم اثنا عشر رجلًا ساق ابن إسحاق أسماءهم، كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٨٦) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٠٢).
(٢) وبها قسم غنائم حنين كما سبق.
(٣) كما في حديث أنس المتفق عليه، وقد سبق أن ذكره المؤلف (٢/ ١١٢).
(٤) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٣٧) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٢٨). وانظر خبر الوفد عند موسى بن عقبة كما في «دلائل النبوة» (٥/ ٢٩٩) ــ وسيسوق المؤلف لفظه في فصل الوفود (ص ٧٥٠) ــ، وعند الواقدي (٣/ ٩٦٠) وابن سعد (١/ ٢٧٠).
(٦) العِلِّيَّة ــ بكسر العين وضمها ــ: الغُرفة في عُلْو الدار.
فقتله، فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إليَّ، فليس فيَّ إلا ما في الشهداء الذين قُتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم فادفنوني معهم، فدفنوه معهم، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال فيه: «إن مَثَله في قومه كمَثَلِ صاحب يس في قومه»١.
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرًا، ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنه لا طاقة لهم بحربِ مَن حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا، وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ رجلًا كما أرسلوا عروة، فكلَّموا عبدَ ياليلَ بن عمرو بن عمير ــ وكان سِنَّ عروة بن مسعود ــ وعرضوا عليه ذلك، فأبى أن يفعل وخشي أن يُصنع به إذا رجع٢ كما صنع بعروة، فقال: لستُ فاعلًا حتى ترسلوا معي رجالًا، فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثةً من بني مالك٣ فيكونون ستةً، فبعثوا معه الحكمَ بنَ عمرِو بن وهبٍ وشرحبيلَ بن غيلان، ومن بني مالك: عثمانَ بن أبي العاص وأوسَ بن عوفٍ ونمير٤ بن خرشة، فخرج بهم فلما دَنَوا من المدينة ونزلوا قناةَ٥
(١) ذكره أيضًا عروة وموسى بن عقبة والواقدي في مغازيهم بنحوه .. وله شواهد مرسلة تعضده، منها: مرسل مِقسم مولى ابن عباس عند عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/ ١٣٩)، ومرسل أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عند ابن أبي شيبة (٣٨٠٥٥)، ومرسل قتادة بإسناد صحيح عند ابن أبي شيبة (٢٨١٧٧) أيضًا، ومرسل عبد الملك بن عمير عند ابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣١٩١).
(٢) «إذا رجع» ساقط من المطبوع.
(٣) الأحلاف وبنو مالك هما بطنا ثقيفٍ.
(٤) في الأصول: «بهز»، تصحيف.
(٥) هو الوادي الذي يمرُّ بين المدينة وأُحُد. انظر: «معجم المعالم في السيرة» (ص ٢٥٨) و«معجم معالم حجاز» (ص ١٤٠٣).