فقتله، فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إليَّ، فليس فيَّ إلا ما في الشهداء الذين قُتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم فادفنوني معهم، فدفنوه معهم، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال فيه: «إن مَثَله في قومه كمَثَلِ صاحب يس في قومه»١.
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرًا، ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنه لا طاقة لهم بحربِ مَن حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا، وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ رجلًا كما أرسلوا عروة، فكلَّموا عبدَ ياليلَ بن عمرو بن عمير ــ وكان سِنَّ عروة بن مسعود ــ وعرضوا عليه ذلك، فأبى أن يفعل وخشي أن يُصنع به إذا رجع٢ كما صنع بعروة، فقال: لستُ فاعلًا حتى ترسلوا معي رجالًا، فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثةً من بني مالك٣ فيكونون ستةً، فبعثوا معه الحكمَ بنَ عمرِو بن وهبٍ وشرحبيلَ بن غيلان، ومن بني مالك: عثمانَ بن أبي العاص وأوسَ بن عوفٍ ونمير٤ بن خرشة، فخرج بهم فلما دَنَوا من المدينة ونزلوا قناةَ٥
(١) ذكره أيضًا عروة وموسى بن عقبة والواقدي في مغازيهم بنحوه .. وله شواهد مرسلة تعضده، منها: مرسل مِقسم مولى ابن عباس عند عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/ ١٣٩)، ومرسل أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عند ابن أبي شيبة (٣٨٠٥٥)، ومرسل قتادة بإسناد صحيح عند ابن أبي شيبة (٢٨١٧٧) أيضًا، ومرسل عبد الملك بن عمير عند ابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣١٩١).
(٢) «إذا رجع» ساقط من المطبوع.
(٣) الأحلاف وبنو مالك هما بطنا ثقيفٍ.
(٤) في الأصول: «بهز»، تصحيف.
(٥) هو الوادي الذي يمرُّ بين المدينة وأُحُد. انظر: «معجم المعالم في السيرة» (ص ٢٥٨) و«معجم معالم حجاز» (ص ١٤٠٣).
ألْفَوا بها المغيرة بن شعبة، فاشتد ليبشِّر رسولَ الله ﷺ بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر فقال له: أقسمتُ عليك لا تسبقني إلى رسول الله ﷺ حتى أكونَ أنا أحدِّثه، ففعل فدخل أبو بكر على رسول الله ﷺ فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة على١ أصحابه فروَّح الظهرَ معهم وعلَّمهم كيف يُحيُّون رسولَ الله ﷺ، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ضرب عليهم قبةً في ناحية مسجده كما يزعمون.
وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ حتى اكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتبه، وكانوا لا يأكلون طعامًا يأتيهم من عند رسول الله ﷺ حتى يأكلَ منه خالد حتى أسلموا.
وقد كان فيما سألوا رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية وهي اللات لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله ﷺ عليهم، فما برحوا يسألونه سنةً سنةً ويأبى عليهم حتى سألوه شهرًا واحدًا بعد قدومهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمًّى، وإنما يريدون بذلك ــ فيما يُظهرون ــ أن يَسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريِّهم، ويكرهون أن يروِّعُوا قومهم بهدمها حتى يَدخلهم الإسلام، فأبى رسول الله ﷺ إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها٢.
وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا
(١) س، المطبوع: «إلى»، وهو كذلك في مصدري النقل.
(٢) وفي مغازي عروة وموسى بن عقبة ــ كما في «الدلائل» (٥/ ٣٠٣) ــ أن النبي ﷺ أرسل جماعة من الصحابة وأمَّر عليهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة.