زاد المعاد

بذي الهَرْم١ فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمِعول وقام دونه بنو مُعتِّب٢ خشية أن يُرمى أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيفٍ حُسَّرًا يبكين عليها، ويقول أبو سفيان ــ والمغيرة يضربها بالفأس ــ: واهًا لكَ واهًا لكَ٣! فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليَّها أرسل إلى أبي سفيان مجموعَ مالِها من الذهب والفضة والجَزْع٤.

وقد كان أبو مليح بن عروةَ وقاربُ بن الأسود قدما على رسول الله ﷺ قبل وفد ثقيف حين قُتل عروة يريدان فراقَ ثقيفٍ وأن لا يُجامعاها٥ على شيء أبدًا فأسلما، فقال لهما رسول الله ﷺ: «توَلَّيا من شئتما»، فقالا: نتولى الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ: «وخالَكما أبا سفيان بن حرب»، فقالا: وخالنا أبا سفيان٦.

  1. (١) ز، ث، س، ن، المطبوع: «الهدم»، وكذا في مطبوعة «سيرة ابن هشام». والمثبت من سائر النسخ موافق لما في «عيون الأثر»، وهو الذي نصَّ عليه الحازمي في «المتفق والمفترق من الأمكنة» (ص ٩١٩) وياقوت في «معجم البلدان» (٥/ ٤٠٣).
  2. (٢) في عامة الأصول: «مغيث»، تصحيف. وهو مُعتِّب بن مالك بن كعب من الأحلاف من ثقيف، ومن بنيه عروة بن مسعود بن معتَّب الذي سبق أن قُتل شهيدًا، ومنهم ابن أخيه: قارب بن الأسود بن مسعود بن معتِّب سيد الأحلاف يوم حُنين. انظر: «أنساب الأشراف» للبلاذري (١٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣).
  3. (٣) واهًا: كلمة تعجُّب مِن حُسن الشيء وطيبه.
  4. (٤) الجَزْع: خَرَز يماني فيه سواد وبياض، تشبَّه به الأعين، والواحدة: الجَزعة.
  5. (٥) ص، د: «يجامعا». وفي ن، المطبوع: «يجامعاهم».
  6. (٦) وجه كونه خالًا لهما ــ والله أعلم ــ أن عروة والأسود ابني مسعود أمهما: سُبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف، وأبو سفيان هو ابن حرب بن أمية بن عبد شمس.
627

فلما أسلم أهل الطائف سأل أبو مليح رسولَ الله ﷺ أن يقضي عن أبيه عروة دينًا كان عليه من مال الطاغية، فقال له رسول الله ﷺ: «نعم»، فقال له قارب بن الأسود: وعن الأسود يا رسول الله فاقْضِه ــ وعروة والأسود أخوان لأب وأم ــ فقال رسول الله ﷺ: «إن الأسود مات مشركًا»، فقال [قارب بن]١ الأسود: يا رسول الله، لكن تصل مسلمًا ذا قرابة ــ يعني نفسَه ــ وإنما الدين عليَّ وأنا الذي أُطلَب به، فأمر رسول الله ﷺ أبا سفيان أن يقضي دين عروةَ والأسودِ من مال الطاغية، ففعل.

وكان كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لهم: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبي رسولِ الله إلى المؤمنين: إن عِضاهَ وجٍّ وصيدَه حرامٌ لا يُعضَد؛ من وُجد يفعل شيئًا من ذلك فإنه يُجلَد وتُنزَع ثيابُه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيُبلَغ النبيَّ محمَّدًا، وإن هذا أمر النبي محمدٍ رسولِ الله ﷺ. وكتب خالد بن سعيدٍ بأمر الرسول محمد بن عبد الله، فلا يتعَدَّهُ أحدٌ فيظلمَ نفسَه فيما أمر به محمد رسول الله»٢.

فهذه قصة ثقيف مِن أولها إلى آخرها سقناها كما هي وإن تخلَّل بين غزوِها وإسلامها غزاةُ تبوك وغيرها، ولكن آثرنا أن لا نقطع قصَّتَهم وأن نَنْظِم أوَّلَها بآخرها ليقع الكلامُ على فقه هذه القصة وأحكامها في موضع واحد.

فنقول: فيها من الفقه جواز القتال في الأشهر الحُرُم ونسخُ تحريمِ ذلك،

  1. (١) ساقط من جميع الأصول، وإنما أثبت في ن فوق السطر بخط مغاير مصحَّحًا عليه.
  2. (٢) وذكر الكتاب بنحوه الواقديُّ في «مغازيه» (٣/ ٩٧٣) وكاتبه في «الطبقات» (١/ ٢٤٦).
628

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي