فلما أسلم أهل الطائف سأل أبو مليح رسولَ الله ﷺ أن يقضي عن أبيه عروة دينًا كان عليه من مال الطاغية، فقال له رسول الله ﷺ: «نعم»، فقال له قارب بن الأسود: وعن الأسود يا رسول الله فاقْضِه ــ وعروة والأسود أخوان لأب وأم ــ فقال رسول الله ﷺ: «إن الأسود مات مشركًا»، فقال [قارب بن]١ الأسود: يا رسول الله، لكن تصل مسلمًا ذا قرابة ــ يعني نفسَه ــ وإنما الدين عليَّ وأنا الذي أُطلَب به، فأمر رسول الله ﷺ أبا سفيان أن يقضي دين عروةَ والأسودِ من مال الطاغية، ففعل.
وكان كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لهم: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبي رسولِ الله إلى المؤمنين: إن عِضاهَ وجٍّ وصيدَه حرامٌ لا يُعضَد؛ من وُجد يفعل شيئًا من ذلك فإنه يُجلَد وتُنزَع ثيابُه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيُبلَغ النبيَّ محمَّدًا، وإن هذا أمر النبي محمدٍ رسولِ الله ﷺ. وكتب خالد بن سعيدٍ بأمر الرسول محمد بن عبد الله، فلا يتعَدَّهُ أحدٌ فيظلمَ نفسَه فيما أمر به محمد رسول الله»٢.
فهذه قصة ثقيف مِن أولها إلى آخرها سقناها كما هي وإن تخلَّل بين غزوِها وإسلامها غزاةُ تبوك وغيرها، ولكن آثرنا أن لا نقطع قصَّتَهم وأن نَنْظِم أوَّلَها بآخرها ليقع الكلامُ على فقه هذه القصة وأحكامها في موضع واحد.
فنقول: فيها من الفقه جواز القتال في الأشهر الحُرُم ونسخُ تحريمِ ذلك،
(١) ساقط من جميع الأصول، وإنما أثبت في ن فوق السطر بخط مغاير مصحَّحًا عليه.
(٢) وذكر الكتاب بنحوه الواقديُّ في «مغازيه» (٣/ ٩٧٣) وكاتبه في «الطبقات» (١/ ٢٤٦).
فإن رسول الله ﷺ خرج من المدينة إلى مكة في أواخر رمضان بعد مضي ثمان عشرة ليلةً منه، والدليل عليه ما رواه أحمد في «مسنده»١: حدثنا إسماعيل عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس أنه مرَّ مع رسول الله ﷺ زمن الفتح على رجل يحتجم بالبقيع لثمان عشرة خلت من رمضان وهو آخذ بيدي فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم». وهذا أصحُّ مِن قول مَن قال: إنه خرج لعشرٍ خلون من رمضان٢، وهذا الإسناد شرطُ مسلمٍ، فقد روى به بعينه: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»٣.
وأقام بمكة تسع عشرة ليلةً يقصر الصلاة٤، ثم خرج إلى هوازن فقاتلهم وفرغ منهم، ثم قصد الطائف فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلةً في قول ابن إسحاق، وثمان عشرة ليلةً في قول ابن سعد، وأربعين ليلةً في قول مكحول٥.
(١) برقم (١٧١١٢)، وأخرجه أيضًا النسائي في «الكبرى» (٣١٢٦، ٣١٤٠) وابن حبان (٣٥٣٤) والطبراني في «الكبير» (٧/ ٢٧٧) من طرق عن خالد الحذَّاء به. وأخرجه النسائي في «الكبرى» (٣١٢٦) والبيهقي (٤/ ٢٦٨) من طريق هشيم عن منصور بن زاذان عن أبي قلابة به. وللحديث طرق أخرى عن أبي قلابة ولكن ليس فيها ذكر زمن الفتح. وقد صحّح الحديث الإمام وعلي ابن المديني وإسحاق بن راهويه وعثمان بن سعيد الدارمي كما أسنده عنهم الحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٢٨ - ٤٢٩) وعنه البيهقي (٤/ ٢٦٧).
(٢) روي ذلك عن ابن عباس، وهو الذي سبق أن ذكره المؤلف في غزوة الفتح (ص ٤٧٨).
(٣) «صحيح مسلم» (١٩٥٥/ ٥٧).
(٤) كما في حديث ابن عباس عند البخاري (٤٢٩٨).
(٥) وهو أصحّ الأقوال، لأنه صحَّ مِن قول أنس عند مسلم، كما سبق.