وروى سعيد١ أيضًا قال: قضى رسول الله ﷺ في العبد وسيده قضيتين: قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبلَ سيِّده أنه حرٌّ، فإن خرج سيده بعده لم يُردَّ عليه، وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد رُدَّ على سيده.
وعن الشعبي عن رجل من ثقيف قال: سألنا رسولَ الله ﷺ أن يردَّ علينا أبا بكرة وكان عبدًا لنا، أتى رسول الله ﷺ وهو مُحاصِر ثقيفًا فأسلم، فأبى أن يردَّه علينا وقال: «هو طليق الله ثم طليق رسوله»، فلم يردَّه علينا٢.
قال ابن المنذر٣: وهذا قول كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
فصل
ومنها: أن الإمام إذا حاصر حصنًا ولم يُفتَح عليه، ورأى مصلحة المسلمين في الرحيل عنه، لم يلزمه مصابرته وجاز له ترك مصابرته، وإنما تلزم المصابرة إذا كان فيها مصلحة راجحة على مفسدتها.
فصل
ومنها: أنه أحرم من الجِعْرانة بعمرة وكان داخلًا إلى مكة، وهذه هي
(١) برقم (٢٨٠٦)، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٩٦٧٤)، كلاهما عن أبي معاوية، عن الحجّاج، عن أبي سعيد الأعسم ــ وهو من صغار التابعين أو من أتباعهم ــ مرسلًا.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (٢٨٠٨) وأحمد (١٧٥٣٠) وابن سعد في «الطبقات» (٩/ ١٥) والطحاوي في «معاني الآثار» (٣/ ٢٧٨) بإسناد صحيح.
(٣) في «الأوسط» (٦/ ٣٠٤) و«الإشراف» (٤/ ١٤٦)، والمؤلف صادر عن «المغني» (١٣/ ١١٦).
السنة لمن دخلها من طريق الطائف وما يليه. وأما ما يفعله كثير ممن لا علم عندهم من الخروج من مكة إلى الجعرانة ليُحرم منها بعمرة ثم يرجع إليها، فهذا لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه البتة، ولا استحبَّه أحد من أهل العلم، وإنما يفعله عوام الناس ــ زعموا ــ اقتداءً بالنبي ﷺ وغلطوا، فإنه إنما أحرم منها داخلًا إلى مكة، لم يخرج منها إلى الجعرانة ليحرم منها؛ فهذا لون وسنته لون، وبالله التوفيق.
فصل
ومنها: استجابة الله سبحانه لرسوله ﷺ دعاءَه لثقيفٍ أن يهديهم ويأتي بهم وقد حاربوه وقاتلوه وقتلوا جماعةً من أصحابه وقتلوا رسولَ رسوله الذي أرسله إليهم يدعوهم إلى الله، ومع هذا كلِّه فدعا لهم ولم يدعُ عليهم، وهذا من كمال رحمته ورأفته ونصيحته صلوات الله وسلامه عليه.
فصل
ومنها: كمال محبة الصِّدِّيق له وقصدُه التقربَ إليه والتحبُّبَ بكل ما يمكنه، ولهذا ناشد المغيرة أن يدعه هو يبشر النبي ﷺ بقدوم وفد الطائف ليكون هو الذي سرَّه١ وفرَّحه بذلك. وهذا يدل على أنه يجوز للرجل أن يسأل أخاه أن يؤثره بقُربةٍ من القُرَب، وأنه يجوز للرجل أن يؤثر بها أخاه، وقولُ من قال من الفقهاء: لا يجوز الإيثار بالقرب= لا يصح٢.
(١) ن، المطبوع: «بشره»، تصحيف.
(٢) وهذا خلاف ما ذهب إليه المؤلف في «طريق الهجرتين» (٢/ ٦٤٨ - ٦٥٠) و«الروح» (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٨). وتأليف «زاد المعاد» متأخر عنهما.