قوليه: وجٌّ حرم يحرم صيده وشجره، واحتُجَّ لهذا القول بحديثين: أحدهما هذا الذي تقدم، والثاني: حديث عروة بن الزبير عن أبيه الزبير أن النبي ﷺ قال: «إنَّ صَيد وجٍّ وعِضاهَه حَرَمٌ مُحرَّم لله». رواه الإمام أحمد وأبو داود١.
وهذا الحديث يعرف بمحمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة. قال البخاري في «تاريخه»٢: لا يتابَع عليه.
قلت: وفي سماع عروة من أبيه نظر وإن كان قد رآه٣، والله أعلم.
فصل
ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة ودخلت سنةُ تسعٍ بعث المصدِّقين يأخذون الصدقات من الأعراب. قال ابن سعد٤: ثم بعث رسول الله ﷺ المُصَدِّقين، قالوا: لما رأى رسول الله ﷺ هلال المحرم سنةَ تسعٍ بعث المُصَدِّقين يُصدِّقون العرب، فبعث عُيَينة بن حِصن إلى بني تميم، وبعث يزيد بن الحُصَين٥ إلى أسلمَ وغِفارٍ، وبعث عبَّاد بن بِشر الأشهلي إلى
(١) أحمد (١٤١٦) وأبو داود (٢٠٣٢).
(٢) «التاريخ الكبير» (١/ ١٤٠)، وقال في ترجمة أبيه (٥/ ٤٥): «لم يصحّ حديثه». وقد ضعّف الحديث الإمام أحمد كما في «المغني» (٥/ ١٩٤) نقلًا عن «العلل» للخلال.
(٣) قال الدارقطني: لا يصح سماعه من أبيه. انظر: «تهذيب التهذيب» (٧/ ١٨٥).
(٤) «الطبقات» (٢/ ١٤٧) ــ والنقل من «عيون الأثر» (٢/ ٢٠٢) ــ والخبر عند شيخه الواقدي في «مغازيه» (٣/ ٩٧٣) بإسناده عن الزهري وعن سعيد بن عمرو الهذلي مرسلًا.
(٥) كذا في الأصول و«عيون الأثر»، والظاهر أنه تصحيف، إذ ليس في الصحابة أحد يُعرف بهذا الاسم، والذي في «مغازي الواقدي» و«طبقات ابن سعد»: «بريدة بن الحصيب»، وكذا في «الإشارة» لمُغلطاي (ص ٣٢٨).
سُلَيمٍ ومُزَينة، وبعث رافع بن مَكِيثٍ إلى جُهَينة، وبعث عمرو بن العاصي١ إلى بني فَزارة، وبعث الضحاك بن سفيان إلى بني كِلاب، وبعث بُسْر٢ بن سفيان إلى بني كعب، وبعث ابن اللُّتبيَّة الأزدي إلى بني ذُبْيان؛ وأمر رسول الله ﷺ المصدقين أن يأخذوا العفو منهم ويتوقَّوا كرائم أموالهم٣.
قيل: ولما قدم ابنُ اللُّتْبِيَّة حاسبه٤. وكان في هذا حجةٌ على محاسبة العُمَّال والأمناء، فإن ظهرت خيانتهم عزلهم وولى أمينًا.
قال ابن إسحاق٥: وبعث المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاءَ فخرج عليه العنسي وهو بها، وبعث زياد بن لَبِيد إلى حضرموتَ، وبعث عدي بن حاتم إلى طيِّئٍ وبني أسد، وبعث مالك بن نُوَيرة على صدقات بني حنظلة، وفرق صدقات بني سعد على رجلين: فبعث الزِّبْرِقان بن بدر على ناحية وقيس بن عاصم على ناحية، وبعث العلاء بن الحضرمي على البحرين، وبعث عليًّا إلى نجران ليجمع صدقاتهم ويَقْدَم عليه بجزيتهم.
(١) كذا في ف، ب، ن. وفي سائر الأصول: «العاص».
(٢) في الأصول والنسخ المطبوعة: «بِشر»، تصحيف. وهو بُسر بن سفيان الخُزاعي الكعبي. انظر: «طبقات ابن سعد» (٥/ ١٨٧) و«أسد الغابة» (١/ ٢١٦) و«الإصابة» (١/ ٥٤٥).
(٣) هنا انتهى كلام ابن سعد نقلًا عن «عيون الأثر».
(٤) أخرجه البخاري (١٥٠٠، ٦٩٧٩) ومسلم (١٨٣٢) من حديث أبي حميد الساعدي. وفي رواية البخاري أن النبي ﷺ كان قد استعمله على صدقات بني سُليم (لا بني ذبيان على ما ذكره ابن سعد).
(٥) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٦٠٠) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٠٣).