وذلك في المحرم من هذه السنة، بعثه إليهم في سرية ليغزوهم في خمسين فارسًا ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فهجم عليهم في صحراءَ وقد سرَّحوا مواشيهم، فلما رأوا الجمع ولَّوا، فأخذ منهم أحد عشر رجلًا وإحدى وعشرين امرأةً وثلاثين صبيًّا فساقهم إلى المدينة، فأُنزلوا في دار رملةَ بنتِ الحارث، فقدم فيهم عدة من رؤسائهم: عُطارد بن حاجب، والزِّبرِقان بن بدر، وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأَهتَم، ورِياح٢ بن الحارث؛ فلما رأوا نساءهم وذراريَّهم بكَوا إليهم، فعجلوا فجاءوا إلى باب النبي ﷺ فنادوا: يا محمد اخرج إلينا، فخرج رسول الله ﷺ وأقام بلالٌ الصلاةَ وتعلَّقوا برسول الله ﷺ يكلمونه، فوقف معهم ثم مضى فصلى الظهر
(١) وكان سببه فيما ذكره الواقدي وابن سعد أن رسول الله ﷺ لمّا بعث بسر بن سفيان على صدقات بني كعب من خزاعة جاءهم وقد حلَّ بنواحيهم بعض بطون بلعنبر بن عمرو بن تميم، فجمعت خزاعة مواشيها للصدقة، فاستنكر ذلك بنو تميم وأبَوا وابتدروا السلاح وشهروا السيوف، فقدم المصدِّق على رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: «من لهؤلاء القوم؟» فانتدب لهم عُيينة بن حصن، فبعثه النبي ﷺ إليهم. «المغازي» (٣/ ٩٧٤) و«الطبقات» (١/ ٢٥٤).
(٢) في عامة الأصول والنسخ المطبوعة: «رباح» بالموحدة، وكذا في «عيون الأثر»، وهو تصحيف عمَّا ذكره الواقدي وابن سعد. انظر: «الإصابة» (٣/ ٥٥٨).
ثم جلس في صحن المسجد، فقدَّموا عُطارد بن حاجب فتكلَّم وخطب، فأمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ فأجابهم وأنزل الله ﷿ فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ٤ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[الحجرات: ٤ - ٥]، فردَّ عليهم رسولُ الله ﷺ الأسرى والسبي١،
فقام الزبرقان شاعرُ بني تميم فأنشد مفاخرًا:
نحن الكرام فلا حيٌّ يعادلنامنا الملوك وفينا تُنصَب البِيَعُ
وكم قَسَرْنا من الأحياء كلِّهِمُعند النِّهاب وفضلُ العز يُتَّبَعُ
ونحن يُطعِمُ عند القحط مُطعمنامِن الشِّواء إذا لم يُؤنَس القَزَعُ٢
بما ترى الناسَ تأتينا سُراتُهممن كل أرض هُوِيًّا ثم نَصطَنِعُ٣
فننحر الكُومَ عُبْطًا في أَرُومتناللنازلين إذا ما أُنزِلوا شبعوا٤
(١) خبر السرية إلى هنا ذكره ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٢/ ٢٠٣) ــ وهو مصدر المؤلف ــ نقلًا عن «طبقات ابن سعد» (٢/ ١٤٧)، وهو عند الواقدي بأطول منه (٣/ ٩٧٤ - ٩٨٠). وما سيأتي من الأبيات نقلها ابن سيد الناس عن مغازي ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٦٣) ــ، وهي عند الواقدي بشيء من الاختلاف .. وقال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يُنكرها للزِّبرِقان.
(٢) القَزَع: قِطَع من السحاب المتفرِّق.
(٣) السُّراة: جمع الساري، وهم الذين يسرون بالليل. هُوِيًّا: سراعًا.
(٤) الكُوم: جمع الكوماء، وهي الناقة العظيمة السنام. العُبْط: جمع العبيطة، وهي التي نُحرت سمينة فتيّة من غير علةٍ بها مِن داء أو كسر، يقال: (اعتبط البعيرَ) نحره بلا علة، و(مات فلان عَبطةً) أي: شابًّا صحيحًا. والأَرُومة: الأصل، أي: أن هذا الكرم متأصِّل فينا.