فدعوهم إلى الإسلام فأَبَوا، فقاتَلوهم فهزموهم، فلحق الأصيدُ أباه سلمة وسلمةُ على فرس له في غدير بالزَّخِّ، فدعا أباه إلى الإسلام وأعطاه الأمان، فسبَّه وسب دينه، فضرب الأصيدُ عرقوبَي فرسِ أبيه، فلما وقع الفرس على عرقوبيه ارتكز سلمةُ على الرمح في الماء ثم استمسك، حتى جاءه أحدُهم فقتله ولم يقتله ابنُه.
فصل
ذِكر سرية علقمة بن مُجَزِّزٍ المُدْلِجي إلى الحبشة
في شهر ربيع الآخر سنةَ تسعٍ
قالوا١: فلما بلغ رسولُ الله ﷺ أن ناسًا من الحبشة تراياهم أهل جُدَّةَ٢ بعث إليهم علقمة بن مُجَزِّزٍ في ثلاثمائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر وقد خاض إليهم البحر فهربوا منه.
(١) «عيون الأثر» (٢/ ٢٠٧) نقلًا عن «طبقات ابن سعد» (٢/ ١٤٩). وأخرجه الواقدي (٣/ ٩٨٣) ــ ومن طريقه ابن سعد (٥/ ١٣٥) ــ من مرسل محمد بن إبراهيم التيمي وإبراهيم بن عبد الرحمن القرشي المخزومي. وروي ذكر البعث دون تحديد سببه ووِجهته من حديث أبي سعيد الخدري، وسيأتي تخريجه في الفقرة الآتية.
(٢) عند الواقدي وابن سعد من طريقه: «أهل شُعيبة ــ ساحل بناحية مكة ــ». قلت: هو موضع على ساحل البحر ما زال معروفًا بهذا الاسم جنوب جدة على قرابة ٦٠ كيلًا.
فلما رجع تعجَّل بعضُ القوم إلى أهليهم فأذن لهم، فتعجَّل عبدُ الله بن حُذافة السَّهمي فأمَّره على من تعجَّل، وكانت فيه دعابة، فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارًا يصطلون عليها، فقال: عزمتُ عليكم إلا تواثبتم في هذه النار، فقام بعض القوم فتحجَّزُوا١ حتى ظَنَّ أنهم واثبون فيها فقال: اجلسوا إنما كنت أضحك معكم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «مَن أمركم بمعصيةٍ فلا تطيعوه»٢.
قلت: في «الصحيحين»٣ عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سريةً واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوا، ثم قال: أوقدوا نارًا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا٤؟ قالوا: بلى، قال: فادْخُلُوها، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، فكانوا كذلك حتى سكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا»، وقال: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف». فهذا فيه أن الأمير كان من الأنصار٥، وأن رسول الله ﷺ هو الذي أمَّره، وأن الغضب حمله على ذلك.
(١) أي اجتمعوا للوثوب. في المطبوع: «فتجهزوا» خلافًا للأصول ولمصادر الخبر.
(٢) أخرجه أحمد (١١٦٣٩) وابن ماجه (٢٨٦٣) وابن حبان (٤٥٥٨) من حديث أبي سعيد الخدري بإسناد حسن.
(٣) البخاري (٤٣٤٠، ٧١٤٥) ومسلم (١٨٤٠) واللفظ به أشبه.
(٤) في مسلم: «أن تسمعوا لي وتطيعوا». ولفظ البخاري: «أن تطيعوني».
(٥) أي: بخلاف عبد الله بن حذافة السهمي، فإنه قرشي مُهاجري.