حاتم، وجئتُ بغير أمانٍ ولا كتاب، فلما دُفِعت إليه أخذ بيدي ــ وقد كان قبل ذلك قال: «إني أرجو أن يجعل الله يدَه في يدي» ــ، قال: فقام بي١ فلقيتْه امرأة ومعها صبي فقالا: إن لنا إليك حاجةً، فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى داره فألقت له الوليدةُ وسادةً فجلس عليها وجلست بين يديه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما يُفِرُّك٢؟
أيفرك أن يقال لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله سوى الله؟» قال: قلت: لا، قال: ثم تكلم ساعةً ثم قال: «إنما تَفِرُّ أن يقال: الله أكبر، وهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟» قال: قلت: لا، قال: «فإن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضالُّون»، قال: فقلت: فإني حنيف مسلم، قال: فرأيت وجهه ينبسط فرحًا، قال: ثم أمر بي فأُنزلت عند رجلٍ من الأنصار وجعلت أغشاه آتيه طرفي النهار، قال: فبينا أنا عنده إذ جاء قوم في ثياب من الصوف من هذه النِّمار، قال: فصلى وقام فحثَّ عليهم ثم قال: «أيها الناس ارضخوا من الفضل، ولو صاعٌ ولو بنصف صاع، ولو بقبضة ولو ببعض قبضة؛ يقي أحدكم وجهه حرَّ جهنم ــ أو: النار ــ ولو بتمرة، ولو بشِقِّ تمرة٣، فإن أحدكم لاقي اللهَ وقائِلٌ له ما أقول لكم: ألم
(١) غير محرّر في ف، وساقط من س، ث. وفي سائر الأصول والنسخ المطبوعة: «لي». والمثبت موافق لـ «جامع الترمذي» (نسخة الكروخي ق ١٩٣، وهو ساقط من عامة الطبعات) و«معجم الطبراني الكبير».
(٢) غير محرّر في ف. وفي ص، ث: «ما يغرُّك؟». في س: «ما أبعدك؟ أيضرك ...». في د: «ما يضرك؟ أيضرك». وفي مطبوعة «معجم الطبراني»: «لم يغرك إلا أن ...». والمثبت موافق لسائر مصادر التخريج في كونه مشتقًّا من الفرار، على اختلاف بينها في الصياغة ..
(٣) زِيد بعده في النسخ المطبوعة: «فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة»، وليس في الأصول إلا في هامش ن مصححًا عليه، وليس في مصادر التخريج.
أجعل لك مالًا وولدًا؟ فيقول: بلى، فيقول: أين ما قدمت لنفسك؟ فينظر قُدَّامه وبَعده وعن يمينه وعن شماله ثم لا يجد شيئًا يقي به وجهه جهنم، ليقِ أحدُكم وجهَه النارَ ولو بشقِّ تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة، فإني لا أخاف عليكم الفاقة، فإن الله ناصركم ومعطيكم حتى تسير الظعينةُ ما بين يثرب والحِيرَةِ أكثرَ١
ما تخاف على مطيَّتها السَّرَق»، قال: فجعلت أقول في نفسي: فأين لصوص طيئ٢؟!
(١) كذا في الأصول، وأيضًا في النسخ الخطية من «جامع الترمذي» و«كتاب التوحيد» لابن خزيمة. وفي «المسند» ومخطوطة «الدلائل»: «إن أكثر ما تخاف ...». وعند الطبراني في الرواية الأولى: «وأكثر ما تخاف»، وفي الثانية: «أخوف ما تخاف». وتأويل الكلام ــ والله أعلم ــ أن الظعينة ستسير في المفاوز التي أكثر ما يخافه السائر في مثلها السرقة، ولكنها ستسير فيها آمنة لا يحصل لها من ذلك المخوف شيء. هذا، والذي في عامة مطبوعات «جامع الترمذي» و«كتاب التوحيد» و«الدلائل»: «أو أكثر» ليكون عطفًا على ما قبله وتكونَ «ما» نافية، أي: تسير هذه المسافة أو أكثر لا تخاف فيها السرقة، ولكن بمراجعة أصولها الخطية تبيّن أن «أو» إما مقحمة وإما مصحَّفة عن «إنّ».
(٢) لحديث عدي هذا شواهد في «الصحيحين» وغيرهما من طرق عنه، وأطولها حديث البخاري (٣٥٩٥) بلفظ: «بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: «يا عدي، هل رأيت الحيرة؟» قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال «فإن طالت بك حياة، لترين الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله، ــ قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيئ الذين قد سعروا البلاد ــ، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى»، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة، لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه، وليلقينَّ الله أحدُكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فليقولن له: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك؟ = ... فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالًا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم»، قال عدي: سمعت النبي ﷺ يقول: «اتقوا النار ولو بشقة تمرة، فمن لم يجد شقة تمرة فبكلمة طيبة». وانظر: «صحيح البخاري» (١٤١٣، ١٤١٧، ٦٠٢٣، ٧٥١٢) ومسلم (١٠١٦).