زاد المعاد
فإن أنت لم تفعل فلستُ بآسفٍولا قائلٍ إما عثرت لعًا لكا١
سقاك بها المأمونُ كأسًا رَوِيَّةًفأَنْهَلَك المأمونُ منها وعلَّكا٢

قال: وبعث بها إلى بجير فلما أتت بُجيرًا كره أن يكتمها رسولَ الله ﷺ فأنشده إياها، فقال رسول الله ﷺ: «سقاك بها المأمون، صدق وإنه لكذوب وأنا المأمون»، ولما سمع: «على خُلقٍ لم تُلفِ أمًّا ولا أبًا عليه» قال: «أجل، لم يُلفِ عليه أباه ولا أمه».

ثم قال بُجير لكعب:

مَن مُبلِغٌ كعبًا فهل لك في التيتلوم عليها باطلًا وهي أحزمُ
إلى الله لا العزى ولا اللات وحدهفتنجو إذا كان النجاءُ وتَسْلَمُ
لدى يومَ لا ينجو وليس بمُفلتٍمن الناس إلا طاهرُ القلب مسلمُ
فدِينُ زهيرٍ وهو لا شيء دينُهودينُ أبي سُلمى عليَّ مُحرَّمُ

فلما بلغ كعبًا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه، وأَرجَفَ به من كان في حاضره مِن عدوِّه فقال: هو مقتول، فلما لم يجد من شيء بُدًّا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ ويذكر خوفَه وإرجافَ الوُشاة به مِن عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجلٍ كانت بينه وبينه معرفة من جُهَينة ــ كما ذُكِر لي ــ، فغدا به إلى رسول الله ﷺ حين صلى الصبح فصلى

  1. (١) لعًا لك: دعاء للعاثر أن ينتعش من سقطته.
  2. (٢) المأمون: النبي ﷺ، كانت قريش تسمِّيه المأمون والأمين. رَويَّةً: فعيلة بمعنى مُفعِلة، أي: مُرْوِية. فأنهلك: سقاك النَّهَل، وهي السَّقْية الأولى. وعَلَّك: سقاك العَلَل، وهي السقية الثانية. ومراده أن النبي ﷺ هو الذي لقَّنك هذه المقالة التي تدعوني فيها إلى الإسلام حتى ارتويتَ بها وأُشرِبتها في قلبك.
653

مع رسول الله ﷺ، ثم أشار له إلى رسول الله ﷺ فقال: هذا رسول الله فقم إليه واستأمنه، فذكر لي أنه قام إلى رسول الله ﷺ حتى جلس إليه فوضع يده في يده، وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه، فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبًا مسلمًا، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله ﷺ: «نعم»، قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير.

قال ابن إسحاق١: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، دعني وعدوَّ الله أضرِبْ عنقه، فقال رسول الله ﷺ: «دعه عنك فقد جاء تائبًا نازعًا»٢، قال: فغضب كعب على هذا الحيِّ من الأنصار لِما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال قصيدته اللامية يصف فيها محبوبته وناقته، التي أولها:

بانت سعادُ فقلبِي الْيَومَ مَتبولُمُتيَّمٌ عندها لم يُجْزَ مكبولُ٣
  1. (١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٠٣) و«مستدرك الحاكم» (٣/ ٥٨٤). وللقصيدة شواهد، فقد أخرجها الحاكم (٣/ ٥٧٩ - ٥٨١) ــ وعنه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٠٧ - ٢١١) ــ من طريق الحجاج بن ذي الرُّقَيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير بن أبي سُلمى عن أبيه عن جده ــ والحجاج وأبوه مجهولان ــ، ومن مرسل علي بن زيد بن جُدعان، ومن مغازي موسى بن عقبة.
  2. (٢) زيد في المطبوع بعده: «عمَّا كان عليه» نقلًا عن «سيرة ابن هشام» بلا تنبيه، وليست في شيء من الأصول، ولا في «عيون الأثر» مصدر المؤلف.
  3. (٣) لفظ العجُز في المطبوع: «متيم إثرها لم يفدَ مكبول» خلافًا للأصول، وكذا في مطبوعة «عيون الأثر» خلافًا لأصوله الخطية. وفي الأبيات الآتية أيضًا شيء من مثل هذا التصرُّف والتغيير، أكتفي بهذا التنبيه عن التنصيص عليها في مواضعها.
    وقوله: «بانت» أي: فارقتني. و«متبول»: أسقمه الحبُّ وأضناه. و«متيَّم»: مستعبَدٌ استعبده الحبُّ. و«لم يُجزَ»: لم يُفدَ من الأسر. و«مكبول»: مقيَّد.
654

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي