قال ابن إسحاق١: وكانت في زمن عُسرةٍ من الناس وجدبٍ من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون شخوصهم على تلك الحال.
وكان رسول الله ﷺ قلما يخرج في غزوة إلا كنَّى عنها وورَّى بغيرها إلا ما كان من غزوة تبوك لبعد الشُّقَّة وشدة الزمان٢.
فقال رسول الله ﷺ ذات يومٍ وهو في جَهازه للجَدِّ بن قيس أحدِ بني سلمة: «يا جَدُّ، هل لك العام في جِلاد بني الأصفر؟» فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتنِّي، فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عُجبًا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: «قد أذنتُ لك» ففيه نزلت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾[التوبة: ٤٩]٣.
(١) كما في «عيون الأثر» (٢/ ٢١٥). وابن إسحاق يروي خبر الغزوة عن شيوخه من التابعين: الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم؛ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥١٦).
(٢) له شاهد من حديث كعب بن مالك عند البخاري (٢٩٤٨) ومسلم (٢٧٦٩/ ٥٤).
(٣) له شاهد من مرسل مجاهد بإسناد صحيح عند الطبري في «تفسيره» (١١/ ٤٩١)، وآخر من حديث ابن عباس عند الطبري (١١/ ٤٩٢) والطبراني في «الكبير» (١٢/ ١٢٢) وأبي نعيم في «معرفة الصحابة» (١٧٢٠) بإسنادين فيهما انقطاع.
وقال قوم من المنافقين بعضُهم لبعضٍ: لا تنفروا في الحرِّ، فأنزل الله فيهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ الآية [التوبة: ٨١].
ثم إن رسول الله ﷺ جدَّ في سفره وأمر الناس بالجَهاز وحضَّ أهل الغنى على النفقة والحُملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان في ذلك نفقةً عظيمةً لم ينفق أحدٌ مثلها.
قلت: كانت ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وعُدَّتها، وألف دينار عينًا١.
وذكر ابن سعد٢: قالوا٣: بلغ رسول الله ﷺ أن الروم قد جمعت
(١) تصدُّق عثمان بثلاثمائة بعير روي من حديث عبد الرحمن بن خبَّاب السُّلَمي عند الترمذي (٣٧٠٠) وعبد الله بن أحمد في زوائده على «المسند» (١٦٦٩٦) بإسناد فيه لين لجهالة أحد رواته، قال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه. وأما تصدُّقه بألف دينار فروي من حديث عبد الرحمن بن سمرة عند أحمد (٢٠٦٣٠) والترمذي (٣٧٠١) والحاكم (٣/ ١٠٢)، وفيه أن النبي ﷺ قال: «ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. هذا، وقد صحَّ في الجملة أن عثمان جهّز جيش العُسرة، فإنه لمّا حوصِر في آخر حياته أشرف على الناس وأنشد الصحابة في أشياء منها قوله: ألستم تعلمون أن النبي ﷺ قال: «من جهز جيش العسرة فله الجنة» فجهّزتُهم؟ فصدَّقوه فيما قال. أخرجه البخاري (٢٧٧٨) وغيره.
(٢) في «الطبقات» (٢/ ١٥٠)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢١٦).
(٣) «قالوا» أي رواة المغازي من التابعين فمَن بعدهم ممن يروي عنهم ابن سعد المغازي في «طبقاته»، وقد ذكر أسانيده إليهم في أول المجلد الثاني (٢/ ٥). وفي النسخ المطبوعة: «قال» خلافًا للأصول ولمصدرَي النقل.