بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾١[هود: ٧٠ - ٧١] فمحال أن يبشِّرهما بأنه يكون له ولد ثم يأمره بذبحه. ولا ريب أن يعقوب داخل في البشارة، فتناولُ البشارة لإسحاق ويعقوب في اللفظ واحدةٌ٢، هذا ظاهر الكلام وسياقه.
فإن قيل: لو كان الأمر كما ذكرتموه لكان «يعقوب» مجرورًا عطفًا على إسحاق، فكانت القراءة ﴿إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ٧١﴾٣[هود: ٧١]، أي ويعقوبَ من وراء إسحاق. «يعقوبَ»، أي وبيعقوب من وراء إسحاق٤.
قيل: لا يمنع الرفعُ من أن يكون يعقوب مبشَّرًا به، لأن البشارة قول مخصوص، وهي أول خبر سارٍّ صادق. وقوله: ﴿إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ جملة متضمنة لهذه القيود، فتكون بشارةً، بل حقيقة البشارة هي الجملة الخبرية. ولما كانت البشارة قولًا كان موضع هذه الجملة نصبًا على الحكاية بالقول، كأن المعنى: وقلنا لها: من وراء إسحاق يعقوبُ. والقائل إذا قال: بشَّرتُ فلانًا بقدوم أخيه، وثَقَلُه في أثره، لم يُعقَل منه إلا البشارةُ بالأمرين
(١) كذا ضبط «يعقوب» في ج بالضم على قراءة أبي عمرو، وعليها ينبني الإيراد الآتي وجوابه.
(٢) كذا في الأصول ما عدا مب، ن وقد محا بعضهم التاء في ص، ع. وفي ق بخط متأخر: «لفظ واحد» يعني: فتناوَلَ البشارةَ، وقوله: «واحدة» خبر المضاف إليه «البشارة».
(٣) وهي قراءة حفص وحمزة وابن عامر. واختلف في إعراب «يعقوب» بين الجر بالعطف والنصب على موضع «بإسحاق» أو بفعل مضمر دلَّ عليه الكلام، ورجَّح هذا الوجه أبو علي. انظر: «الحجة للقراء السبعة» (٤/ ٣٦٤ - ٣٦٧).
(٤) هكذا السياق في ص. ولم يرد في ج «يعقوب، أي وبيعقوب ... إسحاق». ولم يرد في غيرها: «أي ويعقوبَ من وراء إسحاق يعقوبَ».
جميعًا. هذا ما لا يستريب ذو فهم فيه البتة. ثم يُضعِّف١ الجرَّ أمر آخر٢ وهو ضعف قولك: مررت بزيد ومن بعده عمرٍو، لأن العاطف يقوم مقام حرف الجر، فلا يُفصَل بينه وبين المجرور، كما لا يفصل بين حرف الجر والمجرور.
ويدل عليه أيضًا أن الله سبحانه لما ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة (الصافات) فقال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ١٠٣ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ ١٠٤ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ١٠٥ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ١٠٦ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ١٠٧ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ١٠٨ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ١٠٩ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ١١٠ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾[الصافات: ١٠٣ - ١١٢]. فهذه بشارة من الله له شكرًا له على صبره على ما أمر به. وهذا ظاهر جدًّا في أن المبشَّر به غير الأول، بل هو كالنص فيه.
فإن قيل: فالبشارة الثانية وقعت على نبوته، أي لما صبر الأبُ على ما أُمِر به، وأسلم الولدُ لأمر الله، جازاه الله على ذلك بأن أعطاه النبوة.
قيل: البشارة وقعت على المجموع: على ذاته ووجوده، وأنه يكون نبيًّا، ولهذا نصب نبيًّا على الحال المقدَّرة، أي: مقدِّرين٣ نبوتَه. فلا يمكن إخراج البشارة أن تقع على الأصل، ثم تخص بالحال التابعة الجارية مجرى الفضلة، هذا محال من الكلام. بل إذا وقعت البشارة على نبوته فوقوعها