بالنَّصَف! ثم قال: والله لا أدخل عريشَ واحدةٍ منكما حتى ألحق برسولِ الله١ﷺ فهيِّئَا لي زادًا، ففعلتا، ثم قدَّم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عُمَيرُ بن وهبٍ الجُمَحي في الطريق يطلب رسول الله ﷺ فترافقا، حتى إذا دنَوَا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبًا فلا عليك أن تتخلَّف عني حتى آتي رسول الله ﷺ، ففعل حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ وهو نازل بتبوك قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله ﷺ: «كن أبا خيثمة»، قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل فسلَّم على رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: «أولى لك٢
يا أبا خيثمة»، فأخبر رسولَ الله ﷺ خبره، فقال له رسول الله ﷺ خيرًا ودعا له بخير٣.
(١) ص، د، ز: «رسولَ الله».
(٢) «أولى لك» كلمة تهدُّد ووعيد، ومعناه: وَلِيَك المكروه، أي قَرُب منك. وفي حديث أبي خيثمة عند الطبراني (الآتي تخريجه) أنه هو الذي قال: «كِدتُ أهلِك يا رسول الله» ..
(٣) جاءت قصة أبي خيثمة في «سيرة ابن هشام» عن ابن إسحاق بلا إسناد، وأخرجها البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٢٢) بإسناده عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم مرسلًا. ولها شواهد تصحّ بها، منها: حديث إبراهيم بن عبد الله بن سعد بن خيثمة عن أبيه عن جده سعدٍ ــ وهو أبو خيثمة صاحب القصة ــ مطولًا، أخرجه الطبراني في «الكبير» (٦/ ٣١) بإسناد فيه لين. وآخر من مغازي موسى بن عقبة عند البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٢٦)، وأيضًا من مغازي عروة من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه بنحوه كما في «الدلائل». وصحّ في حديث كعب بن مالك الطويل عند مسلم (٢٧٦٩/ ٥٣) ذكر لحاق أبي خيثمة بالنبي ﷺ في تبوك وقوله ﷺ: «كن أبا خيثمة».
وقد كان رسول الله ﷺ حين مرَّ بالحِجْر بديار ثمودَ قال: «لا تشربوا من مائها شيئًا ولا تتوضَّؤوا منه للصلاة، وما كان من عجينٍ عجنتموه فَاعْلِفوه الإبلَ ولا تأكلوا منه شيئًا، ولا يخرجنَّ أحدٌ منكم إلا ومعه صاحب له»، ففعل الناس إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فإنه خُنِق على مذهبه، وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريحُ حتى طرحَتْه بجبلَي طيِّئٍ، فأُخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: «ألم أنهكم أن يخرجَ١ أحدٌ منكم إلا ومعه صاحبه؟» ثم دعا للذي خنق على مذهبه فشُفِي، وأما الآخر فأهدته طيئ لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة٢.
قلت: والذي في «صحيح مسلم»٣ من حديث أبي حُمَيد: انطلقنا حتى قدمنا تبوك فقال رسول الله ﷺ: «ستهُبُّ عليكم الليلةَ ريحٌ شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشدَّ عقاله»، فهبَّت ريح شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقَتْه بجبلي طيئ.
قال ابن هشام٤: بلغني عن الزهري أنه قال: لما مرَّ رسولُ الله ﷺ
(١) في النسخ المطبوعة: «أن لا يخرج» خلافًا للأصول وللمصادر.
(٢) أسنده ابن إسحاق ــ كما في «السيرة» (٢/ ٥٢٢) و«الدلائل» (٥/ ٢٤٠) ــ عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي مرسلًا. وقد أسنده العباس بن سهل عن أبي حُميد الساعدي كما في حديث مسلم الآتي، وفي سياقه اختلاف عمّا ذكره ابن إسحاق.
(٣) برقم (١٣٩٢/ ١١ - ج ٤/ ١٧٨٥).
(٤) في «السيرة» (٢/ ٥٢٢)، والحديث أسنده الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، كما عند البخاري (٣٣٨٠، ٤٤١٩) ومسلم (٢٩٨٠/ ٣٩)، ولفظ البخاري في الموضع الثاني: «ثم قنَّعَ رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي».