زاد المعاد

بالحِجر سجَّى ثوبه على وجهه واستحثَّ راحلته، ثم قال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون خوفًا أن يصيبكم ما أصابهم».

قلت: في «الصحيحين»١ من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبُكم مثلُ ما أصابهم».

وفي «صحيح البخاري»٢: أنه أمرهم بإلقاء العجين وطرحه.

وفي «صحيح مسلم»٣ أنه أمرهم أن يعلِفوا الإبل العجينَ، وأن يُهَرِيقوا الماء، ويستقوا من البئر التي كانت تَرِدها الناقة. ورواه البخاري أيضًا، وقد حفظ راويه ما لم يحفظه من روى الطَّرْح.

وذكر البيهقي٤ أنه نادى فيهم: «الصلاة جامعة»، فلما اجتمعوا قال: «علامَ تدخلون على قومٍ غضب الله عليهم؟» فناداه رجل فقال: نَعجب منهم يا رسول الله، فقال: «ألا أنبئكم بما هو أعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدَكم، استقيموا وسدِّدوا فإن الله ﷿ لا يعبأ بعذابكم شيئًا، وسيأتي الله بقوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئًا».

  1. (١) البخاري (٤٣٣) ومسلم (٢٩٨٠/ ٣٨) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
  2. (٢) برقم (٣٣٧٨) من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
  3. (٣) برقم (٢٩٨١/ ٤٠) من حديث نافع عن ابن عمر. وهو عند البخاري (٣٣٧٩) كما سيذكره المؤلف.
  4. (٤) في «دلائل النبوة» (٥/ ٢٣٥)، وأخرجه أيضًا أحمد (١٨٠٢٩) وابن أبي شيبة (٣٨١٦٧) والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٣٤٠)، من حديث محمد بن أبي كبشة عن أبيه. ورجاله ثقات إلا محمد بن أبي كبشة، ففيه جهالة حال ولم يوثِّقه غير ابن حبان.
668

فصل

قال ابن إسحاق١: وأصبح الناس ولا ماء معهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فدعا رسول الله ﷺ فأرسل الله سبحانه سحابةً فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء٢.

ثم إن رسول الله ﷺ سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته، فقال زيد بن اللُّصَيت وكان منافقًا٣: أليس محمَّد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟! فقال رسول الله ﷺ: «إن رجلًا يقول (وذكر مقالته)، وإني والله لا أعلم إلا ما علَّمني الله، وقد دلَّني اللهُ عليها وهي في الوادي في شعب كذا وكذا قد حبستها شجرةٌ بزمامها، فانطلِقوا حتى تأتوني بها»، فذهبوا فجاؤوه بها٤.

  1. (١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٢٢) و«عيون الأثر» (٢/ ٢١٨).
  2. (٢) الخبر رواه ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلًا، كما في «الدلائل» (٥/ ٢٣١). وله شاهد من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب بأطول منه، أخرجه البزار (٢١٤) وابن خزيمة (١٠١) وابن حبان (١٣٨٣) والحاكم (١/ ١٥٩) والضياء في «المختارة» (١/ ٢٧٨ - ٢٨٠) بإسناد رجاله رجال الصحيحين.
  3. (٣) كان من أحبار اليهود من بني قيقناع، تعوّذ بالإسلام فدخل فيه نفاقًا. قاله ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٥٢٧).
  4. (٤) رواه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٥٢٣) ــ عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لَبِيد عن رجال من بني عبد الأشهل. وهذا إسناد جيّد. والخبر عند عروة بن الزبير وموسى بن عقبة في مغازيهما ــ كما في «الدلائل» (٤/ ٦٠) ــ والواقدي في «مغازيه» (٣/ ١٠٠٩) بنحوه. وقد ذكر ابن إسحاق وأصحاب المغازي الآنف ذكرهم أنه يُقال: إن زيد بن اللصيت تاب عند ذلك وحسُن إسلامه، وأن بعض الناس ــ سمّاه الواقدي: خارجه بن زيد بن ثابت ــ يقول: لم يزل متهمًا بشرٍّ حتى هلك.
669

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي