ثم مضى رسولُ الله ﷺ فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون: تخلَّف فلان، فيقول: «دعوه فإن يك فيه خيرٌ فسيُلحقه الله بكم، وإن يكُ غيرَ ذلك فقد أراحكم الله منه»٢.
وتلوَّم٣ على أبي ذر بعيرُه، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه على ظهره ثم خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيًا، ونزل رسول الله ﷺ في بعض منازله فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله ﷺ: «كُن أبا ذر»، فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر، فقال رسول الله ﷺ: «رحم الله أبا ذرٍّ، يمشي وحدَه ويموت وحده ويُبعَث وحده»٤.
(١) وذلك أن النبي ﷺ لمَّا مرّ بوادي القُرى في طريقه إلى تبوك أتى على حديقة لامرأة فقال ﷺ لأصحابه: «اخرُصوها» ــ أي اخرصوا كم يجيء من ثمرها ــ فخرصوها، وخرص النبي ﷺ أنها عشرة أوسق، وقال للمرأة: «أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله»، ثم لمّا أتوا على وادي القُرى في قفولهم من تبوك سأل رسول الله ﷺ المرأة عن حديقتها كم بلغ ثمرها، قالت: عشرة أوسق. أخرجه البخاري (١٤٨١) ومسلم (١٣٩٢/ ١١ - ج ٤/ ١٧٨٥) من حديث أبي حُميد الساعدي.
(٢) رواه ابن إسحاق ــ كما في «المستدرك» (٣/ ٥٠) و«الدلائل» (٥/ ٢٢١) ــ بإسناده الآتي قريبًا عن ابن مسعود، وهو ضعيف كما سيأتي.
(٣) أي: تمكّث وتوقَّف.
(٤) وهذا أيضًا رواه ابن إسحاق ــ ومن طريقه الحاكم وغيره ــ بالإسناد الآتي عن ابن مسعود ﵁.
قال ابن إسحاق١: فحدثني بريدة٢ بن سفيان الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود قال: لما نفى عثمان أبا ذر إلى الرَّبَذة وأصابه بها قَدَرُه لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه فأوصاهما: أن اغسِلاني وكفِّناني ثم ضُمَّاني إلى٣ قارعة الطريق، فأول ركب يمرُّ بكم فقولوا: هذا أبو ذر صاحبُ رسول الله ﷺ فأَعِينونا على دفنه، فلما مات فعلا ذلك به٤، وأقبل عبد الله بن مسعود في رهطٍ مِن أهل العراق عُمَّارًا، فلم يَرُعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل تطؤها، وقام إليهم الغلام فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا على دفنه، قال: فاستهلَّ عبدُ الله يبكي ويقول: صدق رسول الله ﷺ تمشي وحدَك وتموت وحدك وتُبعَث وحدك، ثم نزل هو وأصحابه فوارَوه، ثم حدَّثهم عبد الله بن مسعود حديثه وما قال له رسول الله ﷺ في مسيره إلى تبوك.
(١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٢٤)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢١٩). وأخرجه من طريق ابن إسحاق أيضًا الحاكم (٣/ ٥٠) وعنه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٢١). وإسناده ضعيف فإن بُريدة بن سفيان قال البخاري: فيه نظر، وقال النسائي: ليس بالقوي في الحديث، وقال الدارقطني: متروك.
(٢) في الأصول: «بريد» أو «يزيد». والتصحيح من مصادر التخريج.
(٣) كذا في الأصول. وفي «عيون الأثر»: «ضماني على». وفي المطبوع: «ضَعاني على» وفاقًا لـ «سيرة ابن هشام».
(٤) في طبعة الرسالة بعده: «ثم وضعاه على قارعة الطريق»، وليس في شيء من الأصول ولا في الطبعة الهندية ولا في مصدر المؤلف، وإنما أُقحم من «سيرة ابن هشام» بلا تنبيه.