قال رسول الله ﷺ: «يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد مُلئ جِنانًا».
فصل
ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوكَ أتاه صاحب أيلةَ فصالحه وأعطاه الجزية، وأتاه أهلُ جَربا وأَذْرُحَ١ فأعطوه الجزية وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابًا فهو عندهم، وكتب لصاحب أيلة: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا أمنة من الله ومحمدٍ النبيِّ رسولِ الله ليُحَنَّة بن رؤبة وأهلِ أيلةَ سُفُنِهم وسيارتِهم في البر والبحر، لهم ذمةُ الله ومحمدٍ النبيِّ ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يَحُول مالُه دونَ نفسه وإنه لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماءً يردونه ولا طريقًا يردونه من بَرٍّ أو بحر»٢.
فصل
في بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أُكَيدِرِ دُومةَ
قال ابن إسحاق٣: ثم إن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى
(١) جربا وأذرح قريتان متجاورتان في أطراف الشام، كما في «معجم البلدان» (١/ ١٢٩). وتقعان اليوم في محافظة مَعان في المملكة الأردنية الهاشمية.
(٢) هذا الكتاب ذكره ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٢٥) و«دلائل النبوة» (٥/ ٢٤٧). وذكره أيضًا الواقدي (٣/ ١٠٣١) وابن سعد (١/ ٢٥٠) بمثله.
(٣) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٢٦)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢٢٠). وأسنده البيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ٢٥٠) عن ابن إسحاق عن يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر الحزمي مرسلًا.
أُكَيدرِ دُومَةَ١، وهو أكيدر بن عبد الملك رجلٌ من كِندة كان نصرانيًّا وكان مَلِكًا عليها، فقال رسول الله ﷺ لخالد: «إنك ستجده يصيد البقر»، فخرج خالد حتى إذا كان من حِصنه بمنظر العين وفي ليلة مُقمِرةٍ صائفةٍ، وهو على سطح له ومعه امرأته، فباتت البقر تحُكُّ بقرونها بابَ القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله، قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه فأُسرِج له، وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسَّان، فركب وخرجوا معه بمَطارِدهم٢، فلما خرجوا تلقَّتْهم خيلُ رسول الله ﷺ فأخذَتْه وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قَباءٌ من ديباجٍ مخوَّص بالذهب فاستلبه خالدٌ فبعث به إلى رسول الله ﷺ قبلَ قدومه عليه، ثم إن خالدًا قدم بأكيدرَ على رسول الله ﷺ فحقن له دمَه وصالحه على الجزية، ثم خلَّى سبيله فرجع إلى قريته.
وقال ابن سعد٣: بعث رسول الله ﷺ خالدا في أربعمائة وعشرين فارسًا، فذكر نحو ما تقدم. قال: وأجار خالدٌ أكيدرَ من القتل حتى يأتي به رسول الله ﷺ على أن يفتح له دومة الجندل ففعل، وصالحه على ألفَي بعيرٍ وثمانمائة رأسٍ وأربعمائة درعٍ وأربعمائة رمحٍ فعزل للنبي ﷺ صَفيَّه خالصًا، ثم قسم الغنيمة فأخرج الخُمس فكان للنبي ﷺ ثم قسم ما بقي في أصحابه،
(١) دومة هي دُومة الجندل، قرية لا تزال معروفة بهذا الاسم في منطقة الجوف في شمال المملكة العربية السعودية.
(٢) المطارد: جمع مِطْرَد، وهو رمح قصير يكون مع الفارس يُطارد به الوحش فيطعنها به.
(٣) في «الطبقات» (٢/ ١٥١)، والنقل من «عيون الأثر» (٢/ ٢٢١).