زاد المعاد

فصار لكل واحد منهم خمسُ فرائض.

وذكر ابن عائذ١ في هذا الخبر أن أكيدرَ قال عن البقر: والله ما رأيتها قط جاءتنا إلا البارحة، ولقد كنت أُضَمِّر لها اليومين والثلاثة ولكن قَدَرُ الله.

قال موسى بن عقبة٢: واجتمع أكيدر ويُحَنَّة عند رسول الله ﷺ فدعاهما إلى الإسلام فأبيا وأقرَّا بالجزية، فقاضاهما رسول الله ﷺ على قضية دومة، وعلى تبوك، وعلى أيلة، وعلى تيماء، وكتب لهما كتابًا.

رجعنا إلى قصة تبوك: قال ابن إسحاق٣: فأقام رسول الله ﷺ بتبوكَ بضع عشرة ليلةً لم يجاوزها، ثم انصرف قافلًا إلى المدينة وكان بالطريق ماء يخرج من وَشَلٍ ما يروي الراكبَ والراكبين والثلاثة بوادٍ يقال له: وادي المُشَقَّق، فقال رسول الله ﷺ: «من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقيَنَّ منه شيئًا حتى نأتيه»، قال: فسبقه إليه نفرٌ من المنافقين فاستقوا، فلم يَرَ فيه شيئًا٤، فقال: «من سبقَنا إلى هذا الماء؟» فقيل له: يا رسول الله فلان وفلان، فقال: «أوَلم أَنههم أن يستقوا منه شيئًا حتى آتيه؟!» ثم لعنهم رسول الله ﷺ ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوَشَل فجعل يصبُّ في يده ما شاء الله أن يصب، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا رسول الله ﷺ بما شاء الله أن يدعو به، فانخرق من الماء ــ كما يقول من سمعه ــ ما إن له حسًّا كحِسِّ الصواعق،

  1. (١) كما في «عيون الأثر» (٢/ ٢٢١).
  2. (٢) كما في «الدلائل» (٥/ ٢٥٢)، والنقل من «عيون الأثر» (٢/ ٢٢١).
  3. (٣) «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٢٧) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٢١).
  4. (٤) كذا السياق في الأصول، وثَمَّ سقط أخلَّ بالمعنى، فالسياق في «سيرة ابن هشام» و«عيون الأثر»: «فاستقوا [ما فيه، فلمّا أتاه رسول الله ﷺ وقف عليه] فلم ير فيه شيئًا».
678

فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله ﷺ: «لئن بقيتم ــ أو: من بقي منكم ــ لتسمَعُنَّ بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه».

قلت: ثبت في «صحيح مسلم» أن رسول الله ﷺ قال لهم: «إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عينَ تبوكَ، وإنكم لن تأتوها حتى يُضْحِيَ النهارُ، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا ...» الحديث، وقد تقدم١؛ فإن كانت القصة واحدةً فالمحفوظ حديث مسلم، وإن كانت قصَّتَين فهو ممكن.

قال٢: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن عبد الله بن مسعود كان يحدث قال: قمتُ من جوف الليل وأنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فرأيت شُعلةً من نارٍ في ناحية العسكر فاتَّبعتُها أنظر إليها، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البِجادين المُزَني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله ﷺ في حفرته وأبو بكر وعمر يُدليانه إليه وهو يقول: «أَدْنِيا إليَّ أخاكما» فدلَّياه إليه، فلما هيَّأه لشقِّه قال: «اللهم إني قد أمسيتُ راضيًا عنه فارْضَ عنه»، قال: يقول عبد الله بن مسعود: «يا ليتني كنت صاحب الحفرة».

وقال رسول الله ﷺ مرجعَه من غزوة تبوك: «إن بالمدينة لأقوامًا ما سِرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم»، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: «نعم، حبسهم العذر»٣.

  1. (١) (ص ٦٧٥).
  2. (٢) أي: ابن إسحاق، كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٢٨). وفي إسناده انقطاع بين محمد بن إبراهيم التيمي وابن مسعود، إلا أن له طريقين آخرين في «معجم الصحابة» للبغوي (٩٥٥) و«مسند الشاشي» (٨٩٣)، يثبت الخبر بمجموعها.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٤٤٢٣) وأبو داود (٢٥٠٨) وابن حبان (٤٧٣١) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٦٧)، واللفظ بالأخيرَين أشبه.
679

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي