وذكر ابن إسحاق الذين بنوه: وهم اثنا عشر رجلًا منهم ثعلبة بن حاطب.
وذكر عثمان بن سعيد الدارمي١: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدًا فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم واستمدُّوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجندٍ من الروم فأخرج محمدًا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﷺ فقالوا: إنا قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحبُّ أن تصلي فيه وتدعو بالبركة، فأنزل الله ﷿: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يعني: مسجد قباء ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ يعني: قواعده ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: الشك ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾[التوبة: ١٠٨ - ١١٠] يعني: بالموت.
(١) ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٦٢) وهو مصدر المؤلف. وأخرجه أيضًا الطبري (١١/ ٦٧٦) وابن أبي حاتم (٦/ ١٨٧٨) في «تفسيرهما» من طريق عبد الله بن صالح به. وإسناده لا بأس به، ونسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس معروفة، وهو وإن لم يسمع من ابن عباس إلا أنه أخذ تفسيره عن ثقات أصحابه كمجاهد وغيره، وقد اعتمده البخاري فيما يعلّقه عن ابن عباس. ويشهد له هنا تفسير ابن عباس المروي من طريق العوفيين، وكذا تفسير عروة ومجاهد والضحاك وابن زيد. انظر: «تفسير عبد الرزاق» (٢/ ٢٨٧) والطبري (١١/ ٦٧٧ - ٦٨٠) وابن أبي حاتم (٦/ ١٨٨٠).
فصل
فلما دنا رسول الله ﷺ من المدينة خرج الناس لتلقيه، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدرُ علينامن ثنيَّات الوداع
وجب الشكر عليناما دعا لله داع١
وبعض الرواة يهم في هذا ويقول: إنما كان ذلك عند مقدمه المدينةَ من مكة، وهو وهمٌ ظاهر لأن ثنيَّات الوَداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام٢.
فلما أشرف على المدينة قال: «هذه طابة، وهذا أُحُدٌ جبل يحبنا ونحبه»٣.
ولما دخل قال العباس: يا رسول الله، ايذَنْ لي أمتدحك، فقال رسول الله
(١) كذا في ف، ب. وفي سائر الأصول والمطبوع: «داعي». والوزن يستقيم على الوجهين. والحديث أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٢/ ٥٠٧، ٥/ ٢٦٦) عن ابن عائشة ــ وهو عبيد الله بن محمد بن حفص القرشي (ت ٢٢٨) ــ معضلًا دون تعيين قدمة النبي ﷺ التي قيل فيها ذلك. وقد ذكره البيهقي في الموضعين وقال في الثاني: «هذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة وقد ذكرناه عنده، لا أنه لمّا قدم المدينة من ثنية الوداع عند مقدمه من تبوك، والله أعلم، فذكرناه أيضًا هاهنا».
(٢) يدل عليه حديث السائب بن يزيد ــ وهو من صغار الصحابة ــ قال: «خرجت مع الصبيان نتلَقَّى النبي ﷺ إلى ثنية الوداع مقدمَه من غزوة تبوك». أخرجه البخاري (٤٤٢٧). ووهم الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث في «الفتح» (٨/ ١٢٨) فنسب إلى المؤلف عكس ما قرَّره هنا.
(٣) أخرجه البخاري (٤٤٢٢) ومسلم (١٣٩٢) من حديث أبي حميد الساعدي.