زاد المعاد

وقال أنس: أقام أصحاب رسول الله ﷺ برامَهُرْمُزَ سبعةَ أشهرٍ يقصرون الصلاة١.

وقال الحسن: أقمت مع عبد الرحمن بن سمرة بِكابُلَ سنتين يَقْصُر الصلاة ولا يُجَمِّع٢.

وقال إبراهيم: كانوا يقيمون بالرَّي السنة وأكثر من ذلك، وبسجستان السنتين٣.

فهذا هدي رسول الله ﷺ وأصحابه كما ترى وهو الصواب.

وأما مذاهب الناس، فقال الإمام أحمد٤: إذا نوى إقامة أربعة أيام أتمَّ وإن نوى دونها قصر، وحمل هذه الآثار على أن رسول الله ﷺ وأصحابه لم

  1. (١) أخرجه البيهقي في «السنن» (٣/ ١٥٢) من طريق يحيى بن أبي كثير عن أنس ولفظه: «تسعة أشهر»، وهو مرسل فإن يحيى قد رأى أنسًا ولكن لا يثبت له سماع منه. انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص ٢٤٠ - ٢٤٤).
  2. (٢) أخرجه عبد الرزاق (٤٣٥٢، ٤٣٥٣) وابن أبي شيبة (٥١٤٠) وابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٦، ٤١٧) من طريقين صحيحين عن الحسن به. وقوله: «لا يُجمِّع» أي: لا يصلِّي الجمعة.
  3. (٣) تمامه: «لا يُجَمِّعُون ولا يصومون» كما في «المغني» (٣/ ١٥٤)، أو «لا يجمِّعُون ولا يُشرِّقون» كما في «المغني» (٣/ ٢١٦) معزوًّا إلى سعيد بن منصور. وقوله: «لا يُشرِّقون» أي لا يصلُّون العيد. وأخرجه ابن أبي شيبة (٥١٤٢) عن إبراهيم بلفظ: «كان أصحابنا يغزوه فيقيمون السنة أو نحو ذلك يقصرون الصلاة ولا يُجَمِّعُون».
  4. (٤) انظر: «مسائله» رواية الكوسج (١/ ١٧١، ٦١١) وابنه صالح (١/ ١٣٨).
708

يُجمعوا الإقامةَ البتة بل كانوا يقولون: اليوم نخرج، غدًا نخرج. وفي هذا نظر لا يخفى، فإن رسول الله ﷺ فتح مكة - وهي ما هي - وأقام فيها يؤسس قواعد الإسلام ويهدم قواعد الشرك ويُمهِّد أمر ما حولها من العرب، ومعلوم قطعًا أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام لا يتأتَّى في يوم واحد ولا يومين، وكذلك إقامته بتبوك فإنه أقام ينتظر العدوَّ، ومن المعلوم قطعًا أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل تحتاج إلى أيام، وهو يعلم أنهم لا يُوافون في أربعة أيام، وكذلك إقامة ابن عمر بأَذْرَبِيجان ستة أشهرٍ يقصُر الصلاةَ من أجل الثلج، ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحلَّل ويذوب في أربعة أيام بحيث تنفتح الطرق، وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر، وإقامة الصحابة برَامَهُرْمُزَ سبعة أشهر يقصرون، ومن المعلوم أن مثل هذا الحصار والجهاد يُعلَم أنه لا ينقضي في أربعة أيام، وقد قال أصحاب أحمد: إنه لو أقام لجهاد عدوٍّ أو حبس سلطانٍ أو مرضٍ قصر، سواءٌ غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة، وهذا هو الصواب، لكن شرطوا فيه شرطًا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عملِ الصحابة فقالوا: شرطُ ذلك احتمالُ انقضاء حاجته في المدة التي لا تَقطع حكمَ السفر وهي ما دون الأربعة أيامٍ١، فيقال: من أين لكم هذا الشرط؟ والنبي ﷺ لما أقام زيادةً على الأربعة أيام يَقصُر بمكة وتبوك لم يقل لهم شيئًا، ولم يبين لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعةٍ٢،

وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته ويتأسون به في قصرها في مدة

  1. (١) انظر: «الإنصاف» (٥/ ٧٦).
  2. (٢) د، ز، س، ن، المطبوع: «أربعةِ أيامٍ» .. وكتبت «أيام» في ص أيضًا ولكن جعل عليها علامة الحذف «حـ».
709

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي